المنطقة تعيد توازناتها بين القوى المتصارعة

بقلم/جيرار ديبجيرار ديب
ألقى الرئيس الأميركي داويت آيزنهاور خطبة أمام الكونغرس الأميركي في عام 1957، وضّح فيها مبدأه لمنطقة الشرق الأوسط، وهو قائم على “سد الفراغ” الذي تركه خروج بريطانيا من الشرق الأوسط بعد عدوان 1956 على مصر. وبحسب مبدأ أيزنهاور، فإن بمقدور أي بلد أن يطلب المساعدة الاقتصادية أو العون من القوات المسلحة الأميركية إذا تعرّض للتهديد من دولة أخرى. وقد خصّ أيزنهاور بالذكر، في مبدئه، التهديد السوفياتي، بإصداره التزام القوات الأميركية بتأمين وحماية الوحدة والتراتبية والاستقلال السياسي لمثل تلك الدول الحليفة، التي تطلب المساعدات ضد عدوان مسلح، من أي أمة تسيطر عليها الشيوعية الدولية.
سقط هذا المبدأ مع رحيل أيزنهاور، بينما بقيت منطقة الشرق الأوسط تتخبّط في صراعات الأقوياء على أرضها؛ فمع وصول الرئيس جو بايدن إلى سدة الرئاسة الأميركية، وضّح سياسته الخارجية المبنية على إعادة تموضع عسكر بلاده في مناطق الانتشار، محدّداً أن الصين تبقى العدو الأول لأميركا. هذا التموضع أدخل المنطقة في سباق مع الوقت الذي يعلن فيه الأميركي الانسحاب العسكري، خصوصاً من سوريا والعراق.
كانت التوقعات تنظر إلى دخول اللاعب الروسي أرض سوريا في الـ2015، على أنها مسألة وقت لحماية مصالح لها وتأمين قواعد بحرية في المياه الدافئة على البحر المتوسط، قبل أن تكتشف أن الروسي دخل ليقلب المعادلات ويصبح الرقم الأصعب في معادلة الشرق الأوسط. فبعكس دخول الاتحاد السوفياتي المعترك الأفغاني في بداية الثمانينيات والغرق فيه، كانت الأرضية السورية بداية تكريس روسيا الإمبراطورية في تاريخها المجيد في منطقة الشرق الأوسط.
صحيح أنه لا مبدأ لبايدن في المنطقة سوى ترك فراغ يتسابق الآخرون على ملئه، إلا أنه وضع المنطقة في تخبّط كان أقرب إلى خلق عنصر المفاجآت منه إلى صنع التوقعات المنتظرة. وما الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الإماراتيّ، عبد الله بن زايد، لسوريا، بعد عشر سنوات من القطيعة، إلا مفاجأة وخطوة تصبّ في تكريس دور لدولة الإمارات في رسم السياسة المقبلة للمنطقة بالتحالف مع الروسي من جهة، ومحاولتها الحفاظ على مسافة من الخصم – المتعاون الإيراني من جهة ثانية. هذا وقد أفادت وكالة أنباء الإمارات (وام) بأن وزير الخارجية الإماراتيّ قد تلقّى اتصالاً من نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، بعد زيارة ابن زايد لسوريا، وتحادثا في المصالح المشتركة بين البلدين والسبل لتطوير العلاقات.
أكدت مصادر مطلعة أن الدور الإماراتي في سوريا أتى بعد تعثّر المفاوضات غير المباشرة بين السعودي والإيراني، ووضعها في خانة التطويق لمشروع إيران في المنطقة، من خلال إعادة سوريا الى الحضن العربي وعودة مندوبها إلى جامعة الدول العربية، فيما تصريح وزير الاقتصاد السوري، سامر خليل، يتلاقى مع الدعوة الخليجية. وكان قد عبّر خليل عن مدى رغبة دمشق في عودة المياه إلى مجاريها الطبيعية مع الدول العربية، ولا سيّما الخليجية، عندما قال: “أولوية سوريا الاقتصادية من الانفتاح العربي هي التخفيف من حدّة معاناة المواطنين، وإن هذا الانفتاح هو أحد أهم مؤشرات التعافي الاقتصادي السوري”.
صحيح أن الأميركي يعيد تموضعه في المنطقة، إلا أن اللافت أنه لا يرغب بترك المنطقة ولا حلفائه، بقدر ما يريد تفعيل دورهم في مواجهة المشروع الروسي والإيراني وخلفهما الصيني. فأولوية الولايات المتحدة تبقى معالجة الشأن الداخلي بعد الانكماش الاقتصادي التي تعاني منه إدارة بايدن، وهو الأصعب منذ عام 1990، ولا سيما بعد جائحة كورونا والتلاعب في أسعار النفط العالمية، حيث رفضت منظمة أوبك بلاس مناشدات أميركية لضخ المزيد من الخام أكثر من المقرر بالفعل، واتفقت على التمسك بخطط العودة التدريجية للإنتاج الذي توقف بسبب جائحة كورونا، الأمر الذي رفع أسعار الوقود للمستهلكين، ما زاد من الأزمة في الولايات المتحدة الأميركية.
المشهدية لمنطقة الشرق الأوسط باتت واضحة مع دخول قوى متصارعة على إعادة هيكلتها من جديد. فما قضية التصعيد الميداني العسكري في مأرب، واشتداد الأزمة الدبلوماسية بين لبنان ودول الخليج، والتدريبات الأميركية الإسرائيلية البحرينية في البحر الأحمر، إضافة إلى الزيارة الأخيرة لسوريا، كلها، إلا دلالات على اشتداد الميدان قبل الوصول إلى طاولة المفاوضات، حيث كل فريق سيعرض أوراق قوته ليحقق المكاسب المرجوة.
إلى حين الوصول إلى الشكل النهائي، تبقى الأنظار شاخصة إلى سياسات الولايات المتحدة في هذه المنطقة، وإلى تموضع عسكرها، لأنّه على ما يبدو، فإن حلفاءها أخذوا زمام الأمور للمبادرة إلى حماية مصالح أمنهم القومي. لهذا التقى رئيس وزراء إسرائيل نفتالي بينيت، مع رئيس روسيا فلاديمير بوتين، واتقفا على استمرار إسرائيل في مهاجمة مواقع إيران وحلفائها. ولهذا قامت الإمارات بمبادرتها، وتسعى إيران من حسم معركة مأرب، واستنكار محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الكاظمي، لكي لا ينقلب الرأي العام العراقي على وجودها، كما حصل في صناديق الاقتراع، وتخسر الورقة العراقية من يدها، بعدما باتت تشعر بأن سوريا ستسقط بعد الانفتاح العربي برضًى روسي.
أخيراً، إن المرحلة التي تمرّ بها المنطقة خطرة وحسّاسة، في ظل الدعوة الأميركية المتجدّدة لإيران للعودة إلى المفاوضات، لبتّ مستقبل برنامجها النووي. وهذا ما يضعنا أمام سؤال حقيقي بالقول: ماذا لو لم تستجب إيران للدعوات الأميركية بالعودة إلى الاتفاق النووي، وللتهديدات الإسرائيلية؟ فهل ستشتعل المنطقة من المحيط إلى الخليج؟ أم أن الضابط الروسي قادر على تهدئة الجبهات؟



