ثقافية

“تحت شجرة التوت” بين الواقع المحسوس والمُتخيّل

 

المراقب العراقي/المحرر الثقافي…

يرى الناقد تحسين علي كريدي أن رواية “تحت شجرة التوت” للروائي راسم الحديثي هي مزاوجة بين الواقع المحسوس، والمُتخيّل .

وقال كريدي في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): إن مهمة الروائي الرئيسة، تتمثل في تفكيك الأحداث الواقعية المنتقاة بمقصدية محددة، وسبكها مع المتخيل، لصياغة حبكة، يستطيع من خلالها الروائي أن يمرر متبنياته الفلسفية ورؤاه، إلى المتلقي، بطريقة تظهره -أي  الروائي- وكأنه شخص محايد.  فأحداث الواقع المحسوسة ليست هي الظواهر التي تدركها الحواس، وإنما ما يتوارى خلفها من دلالات إنسانية، وهنا يقع التباين بين الرواية والسيرة الذاتية، أو البيوغرافيا التي هي نوع من أنواع الكتابة الأدبية، وتعني فن سرد الشخص لسيرة حياته أو جزء منها، أو سرد لحياة أشخاص آخرين، من لحظة معينة، بينما تتحرك اليوميات، مهما كانت تأملية، عبر سلسلة من اللحظات في الزمن. ومن حيث التشويق وجذب المتلقي ،فإن بعض كتب السير الذاتية لا تقل شأنا عن الروايات ،كما في غصن مطعم بشجرة غريبة ،لصلاح نيازي ،ودولة الإذاعة، لإبراهيم الزبيدي.
وأضاف: في رواية تحت شجرة التوت ،للروائي راسم الحديثي ،الصادرة عن دار أمل الجديدة عام ٢٠١٨، في مائة واثنتين وثلاثين صفحة،مجزأة إلى ثلاثة وعشرين فصلا، يستهلها الحديثي بصيغة الراوي العليم مع أحد شخوص روايته وهو لهيب الذي ينتظر  مصير الإعدام حرقا، داخل قفص حديدي ، من قبل عناصر إرهابية ،لم يرقها أفكاره المتحررة التي ينشرها على منصات التواصل الاجتماعي.

وتابع: ينقلنا الروائي بعدها إلى أسلوب الراوي الداخلي الا وهو لهيب نفسه ،عندما تستعرض في خاطره ، فصول تاريخ أسرته التي تمتد لقرن من الزمن ،وقد يرى البعض أن عملية التداعي لا ينبغي لها  أن تتخطى حياة الشخص ، إلى زمن يتخطى إدراكه ومشاهداته الذاتية ، لكن من السهل تبرير ذلك هنا، بأن جزءا من تلك المعلومات هي إرث عائلي حكائي، يتم تمريرها من جيل لآخر.

وواصل :بدءا من جده حمدي، الذي اقتادته الجندرمة العثمانيون ، للتجنيد القسري ،ليقاتل في جبهة القرم ،في مشهد مؤثر، مشابه لما قدمه الروائي اليوغسلافي (إيفو آندرتش)  في روايته الشهيرة (جسر على نهر درينا)، وتمر سنين عديدة ،دون أن يعرف عن مصيره أي شيء ،ويطول انتظار حبيبته، وتذعن بقبول رجل تقدم لخطبتها  وفي يوم الزفاف، يظهر حمدي  فجأة ، فيلغى ذلك  الزفاف، ويفوز حمدي بحبيبته مرورا بوالده عبد الله الذي يعاصر بدايات بناء الفرد العراقي الناهض المتفاعل مع معطيات العصر إثر اكتشاف النفط في كركوك عام ١٩٣٧، وما حمله من صراع مع المتبنيات الوجدانية والموروث الاجتماعي، وكذلك صراع  فكري ضد النظام ، نتيجة لظهور حركات سياسية اشتراكية وقومية ودينية،

واوضح :تعامل  الحديثي مع عمق الأحداث  وأظهر وعي الفرد  لانتزاع حقوقه الإنسانية  وحماية مصالح الوطن من وجهة نظر عقائدية وحزبية، ولا سيما في الإضراب العمالي الذي قاده خنور والذي تقمعه السلطة بمكيدة، ويسجن عبد الله وقادة الإضراب في معتقل  نقرة السلمان، سيء الصيت ،وتكابد أسرته الفاقة ، لينتهي بهم الحال في نهاية المطاف تحت شجرة التوت، التي  تواري سوءات العائلة ، برمزية مماثلة لما حدث لآدم وحواء لكن غياب عبد الله الطويل هذه المرة، ينتهي بفاجعة ذبح عبدالله لزوجته بسبب أقاويل الناس عن علاقتها بعلوان صاحب الدكان الذي كان متعاطفا معها ويبيعها بالآجل.

واشار الى ان الموروث الشعبي الذي اختفى مع الزمن ، هي محطات متجذرة في وجدان الحديثي وذاكرته ، التي لم يستطع تخطيها ،أو أن يصنع من أحداثها المنفصلة ، حدثا كبيرا متناميا، لتشكيل عقدة ،تنتهي بإيجاد حل لتلك العقدة، كما هو متعارف عليه في فن السرد الروائي ، وبهذا كان ترجيح كفة الحقيقة الموضوعية، على الحقيقة الفنية ،واضحا،  وهذا إن دل على شيء ،فإنه يدل على أن رواية تحت شجرة التوت هي أقرب  إلى السيرة الذاتية، وهذا الأمر ليس منقصة أو يقلل من شأنها ، فللحديثي رواية سيرية رائعة،لها من التشويق على المتلقي ما لهذه الرواية من تشويق، وهي  بعنوان خريف الشرق، ليس بوسع القارئ، سوى قراءتها بنفس واحد ،دون توقف. ورواية طشاري ،لأنعام كججي ، أتت بشكل مشابه.

وختم: إن راسم الحديثي ظاهرة أدبية كبيرة،  في المشهد الأدبي العراقي الحديث ، أتحفنا، بعدد كبير من النتاج السردي ،وأنا على يقين بأنه سيتحفنا بمؤلفات أخرى، ففي جَعبته الكثير مما ينبغي أن يُكتب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى