ثقافية

معرض «لقاء» لغادة مبارك.. حياة اللحظات الإنسانية

 

محمد عبد الرحيم..

قد تمتد لحظة ما إلى زمن لا ينتهي، وتصبح الذكرى هي النغمة المسيطرة، مهما تغيرت ملامح أصحابها، وأصبحت غريبة عنهم، إلا أن ارتضاء الخلود لبعض من هذه اللحظات، هو ما يمنح التجربة الإنسانية قيمتها، حتى لو انحصرت في مجرد ذكريات متفرقة، لا يمكن صياغتها واختلاق سياق لها إلا من خلال الفن. عن هذه اللحظات وصاحبتها يأتي معرض (لقاء) للفنانة المصرية غادة مبارك، الذي أقيم مؤخراً في قاعة الباب، في دار الأوبرا في القاهرة.

تتواتر اسماء اللوحات كما اختارت لها صاحبتها، لتشكل حالة ممتدة من ذكريات لا تريد إلا أن تكون مُبهجة أو سعيدة، بخلاف وقعها الحقيقي، وحالة استعادتها الدائمة. نجد ذلك من أسماء اللوحات.. «كرنفال، زفاف، رقص، رحلة، حياة، بهجة، لقاء» وغيرها. هذه الأسماء توحي بحالة من السعادة بين الشخوص، يؤكدها التكوين والعلاقة بين الأجساد والفراغ في اللوحة من ناحية، والألوان من ناحية أخرى. أغلب اللوحات تحمل سمات العديد من الشخوص، بخلاف لوحة (لقاء) التي يحمل اسمها المعرض، وبالطبع تأتي من خلال رجل وامرأة، ولوحتي زفاف ورحمة، فالأغلب ينتمي لسمة احتفالية ـ بما كان ـ وربما لم تزل هذه الحالة هي المسيطرة أو تريد لها صاحبتها السيطرة، بخلاف لوحات الوحدة المذكورة، التي من الممكن أن يحددها موضوعها، لكنها تحتمل وجود شخصيات أخرى، وكأنه شكل من أشكال التحايل، أو محاولة لتأجيل الحقيقي والمرجو من الحالة العامة للوحات، هذا مجرد تأويل بسيط، وللمتلقي الحق في ذلك.

لكن .. ماذا عن تكوينات هذه الأجساد؟ لم تستسلم الفنانة إلى تكوينات بصرية معهودة ومُستَهلَكة، لكنها خطت خطوة مدروسة نحو التجريد، وشابهت ما بين التكوينات الصخرية والأحجار، لتتمثل الشخوص وحالاتها، وهو أسلوب يُحسب لها، سواء على مستوى الحِرفة أو الدلالة. فقد يبدو الأمر من بعيد مجرد لعب على مستوى التقنية، لكنه في الأساس يتخطى ذلك إلى مستوى الدلالة ـ وهو الأهم ـ بداية من التوحد مع الطبيعة في أقسى أشكالها ـ الصخور ـ وصولاً إلى تحوراتها، والتواصل من خلالها إلى حالات إنسانية تملؤها بهجة مُستعارة من تجارب وحيوات باهتة، تخشى صاحبتها من فقدانها. هناك قسوة هشة في استدعاء هذه الحالات، قسوة النهايات، التي يتم التحايل عليها باستمرار، سواء في الصخب الاحتفالي المزمن، أو الألوان المُبهجة، إلا أن الحالة الحقيقية تتكشف في اللوحات وحيدة الشخصية، أو التي تجمع شخصين ـ رجلا وامرأة ـ حيث تتباعد بينهما المسافات، وقد تتم الاستعانة بمخلوقات أخرى تشغل التكوين/الكادر كقط يستلقي، أو تكوين يُشبه شجرة الصبّار.. لقاء يمكن أن يُستدعى من مقبرة أو بمعنى أدق من الذاكرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى