المعلم
مصطفى العارف ..
في الستينيات عين احمد معلما في قضاء سوق الشيوخ , كان شابا وسيما ومثقفا من عائلة أدبية وعلمية مرموقة , دخل المدرسة استقبله مديرها الأستاذ فاهم, – سأله المدير : – ما تخصصك الدقيق أستاذ احمد ؟ 0 – : أجابه اللغة العربية , وأجيد الرياضيات أيضا,-: نادى بصوت عال , أستاذ مناف خرج من الغرفة المقابلة كان يرتدي قميصا ضيقا تبرز قسمات كرشه بشكل واضح , وبيده سجل كبير , أمره بتسجيل مباشرته في المدرسة ,وهو يوم ما زال يتذكره يوم السبت 1/10/1960 .
انتبه أستاذ احمد إلى لوحة كبيرة خلف مدير المدرسة مرسومة بألوان زاهية , معلم يقف أمام الصبورة ويشير بيده إلى العبارة الآتية ( العلم نور والجهل ظلام) , يحيطه الطلبة من كل جانب, يفترشون الأرض , ويكتبون عليها , تذكر معلم اللغة العربية محمد حسن كيف كان يعامل الطلبة بوحشية وقسوة , حتى يهرب اغلب الطلبة من الدرس, وفي يوم من الأيام -:طلب المعلم المتغطرس من الطالب المجد احمد أعراب الجملة الآتية : (العراق وطن الجميع) – : قال احمد ؟ العراق عظيم, وكبير مبتدأ في كل شيء مرفوع بعيون محبيه , وطن يضم جميع أطيافه خبر مرفوع لحب الوطن ,وهو مضاف , والجميع مضاف إليه في معاركه وإحزانه ودموعه الحزينة على ضياعه فبهت الأستاذ , وانتبه إلى الطالب الذكي الذي أجاد الكلام في وصف وطنه , تأمل اللوحة بحزن عميق ,واطرق برأسه إلى الأرض وهو يتحسر على سنين عمره التي قضاها في سجنه الانفرادي .
وفي اليوم التالي استيقظ باكرا , دخل صفه ودرس موضوع الفعل الماضي , كان يحمل ثقافة عالية ساعدته على إيصال المادة العلمية بسهولة , ولديه خزين معرفي من قراءة الدواوين الشعرية , والروايات , والقصص , والحكايات الشعبية , والأساطير .
تعرف على معلمة التربية الإسلامية الست فاتن التي كانت تعمل معه في المدرسة تزوجها , وأنجبت له فتاة جميلة سماها شمس , وبدأت رحلتهما العلمية سنوات عدة في مدرسة المبدأ .
– زاره صديقه المعلم حكيم , وطلب منه الذهاب إلى مسجد القرية لأداء فريضة صلاة المغرب , وأثناء عودته إلى البيت تم اعتقاله وحسبه مدة زمنية طويلة , واتهامه بالانتماء إلى جهة سياسية معادية , بعدها أطلق سراحه بعد تحطيم نفسيته وترك عاهة دائمية في جسده , قرر ترك الوظيفة والسفر خارج البلد , وافقت الوزارة على إحالته للتقاعد بعد إصابته بعاهة مستديمة .
عمل في الصحافة التي وجدها السبيل الوحيد إلى لقمة عيش شريفة له , ولعائلته الكريمة تعرف على كبار النقاد, والروائيين, وأصبح من الروائيين المبرزين ,وطبعت رواياته, وقصصه , وترجمت إلى لغات عدة .
قرر العودة إلى بلده الذي تركه مرغما , حمل معه الأماني في تحقيق الذات , والتطور الحاصل في البلاد المجاورة .
وصلت الطائرة التي تقله إلى مطار بغداد الدولي يوم الخميس 15/7/2006 0
صدم بالواقع المزري , وقرر اعتزال الحياة .



