التشكيلي إسماعيل خياط… الأسطورة وتحولات الذاكرة الحيّة

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد جاسم عاصي ان الفنان التشكيلي إسماعيل خياط استخدم الاسطورة بشكل كبير في لوحاته كتأكيد على وظيفة الأسطورة في النص أو الشكل الفني. أي تصبح لها وظائف متنوعة ومحرّكة لكل ساكن.
وقال عاصي في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): ان الأزمنة المتحولة والتجربة الفنية:نعني بالأزمنة المتحوّلة، تلك الحُقب التي تحوّلت بحكم بنياتها المعقدة، ونشاط عقل الإنسان ومخرجاته الإبداعية إلى أزمنة أسطورية. بمعنى تتغيّر النظرة بتغيّر الصورة، وتتفاعل بدافع طبيعة المنتِج المتعامل معها. فليس ثمة ثبات في الرؤى، مازال هنالك متغيّر دائم يطرأ على الواقع بإرادة الإنسان أو دونه. أي أن كل زمان أسطوري اكتفى بنفسه، ليمنح الشكل معنى مركّزاً، أو منقسماً على نفسه لإغناء المعنى العام.
وأضاف: ولعل في هذا تأكيد على وظيفة الأسطورة في النص أو الشكل الفني. أي تصبح لها وظائف متنوعة ومحرّكة لكل ساكن، بما تختزنه من بنية ذاتية متحركة قابلة لمستويات القراءة البصرية. فالشكل الفني تتخلله فنياً مجموعة رموز قارّة ودالّة على رؤى واسعة. من هنا تظهر علاقة الفنان بالواقع عبر التخاطر الحر، التعامل مع المفردة اليومية وتمثلها. ويجري ذلك من خلال المعرفي الذي يحدد المنحى والخطوات والتوجهات، وبالتالي يطلق الإمكانيات الذاتية التي هي البديل المُحدِد للرؤية، أي رؤية الزمان والمكان، لأن العلاقة تقام على أساس تشكيل وحدة من أرحام وحدات متعددة. هذه الوحدات مشروطة باللوّن والضوء والظِل والخطوط، ثم الأبيض والأسوّد، والشكل المثير للسؤال والجدل دائماً هو الكيفية. وبالتالي رؤية الأشياء ببصيرة الفنان الحاملة والمستندة إلى ذاكرة غائرة في حراك الأزمنة المتراكمة. هذه الرؤية نجدها قد اصطفَتْ الفضاء الأسطوري كمنحى في التعبير، أو لعكس المعرفة بالأشياء والنزوع الفكري.
وتابع : ان جمالية مفردات اللوّحة تتأتى من سردها القابل لطرح وجهات النظر، والمحمول على مدار التأويل، بسبب ما يعكسه الموضوع المرتبط بالرمز الأسطوري، في كوّنه حاملا للمعاني، ومحمولاً على مستويات للقراءة البصرية. فإعادة صياغة الواقع في اللوّحة غير مشروط بحرفيته، بقدر ما مشروط بحرية الرؤى واتساع إمكانياتها الذاتية وممكناتها المعرفية الخاصة والعامّة. إن المعرفة تعمل كضاغط ابتداءً من الحراك الذهني ـ الذاتي ـ وصولا ً إلى زمن تنفيذ الأفكار والرؤى على سطح اللوّحة. لذا نرى أن تعامل الفنان إسماعيل خياط تتشكل من ممكنات متعددة، وتعامله بآليات متباينة. غير أنها جميعاً تعطينا خاصية الفنان في تعامله مع الظواهر والأشكال في الطبيعة، وضمن العلاقات اليومية التي يتداول معها كوجود مكاني وزماني. فهو لا يخضعها لمنظور ضيّق ومحدود الرؤى، بل يوسّع من مساحة تطبيقاته. وهو ما نقصد به ـ التحوّلات ـ بشكلها العام والجامع، وبالتالي تحوّلات الأزمنة. ونؤكد على اختيار زمان الأسطورة وفعاليته، بما تحتويه الأسطورة من حيوية معرفية، ومختزن من البلاغة في الأسلوب والمعنى.
واستطرد :فالنسق الأسطوري مثلاً مكتف بذاته لغة وشكلاً ورمزاً، كذلك إمكانيته في التحوّل والتجاوز للنمط والتقليدية. وخيّاط أمسك بهذه الخاصيّة وعمل على تنشيط مفاصلها نحو الاختيار الحر. فمثلاً نراه قد تعامل مع المرأة، من خلال النظرة الفاحصة والمبدئية الفكرية ـ الجمالية التي يتحكم فيها مفهوم الثنائية التي تعاملت مع الحضارات القديمة والوجود الإنساني. فهي تارة علاقة تضاد، وفي أخرى علاقة تقارب وتآلف، غير أن خلاصة التعامل تتم من خلال بناء العلاقة الرومانسية مع هذا الكيان. الرومانسية بمفهومها الجمالي، أي بما يضفي على الشكل ومحتوياته رونقاً وبهاءً، إذ يجد في الألوان خير معبّـر عن تلون هذا العالم وبهرجته وبهجته التي تنصّب أساساً على الجمال وسمو الطبيعة البشرية الأنثوية، خاصة اقتران الأنوثة برمز الطير في لوحاته. فتحقيق الثنائية يترتب عبر النظرة الإنسانية التي تنعكس في طبيعة الآلية الفنية، التي تـُجسد الألوان والخطوط على شكل زخرفي، حيث تصل العلاقة بين الألوان والخطوط والأشكال الهندسية إلى مستوى التناغم الموسيقي، الذي يدفعنا إلى تمثل الشكل؛ على أنه تعبير عن هرمونية موسيقية بصرية، خاصة حين نلحظ اختلاط بهرجة الطبيعة المسبغة على طبيعة الأزياء الشعبية في كردستان، وهو محاولة إضفاء مسحة أسطورية على كيان المرأة عبر هذا الشكل من احتفاء الألوان، التي تتمثل طقسية خاصة مثيرة وداعية للاندهاش.
واشار الى إن القدسية التي اكتسبتها الأسطورة كونها تعاملت مع الحيوات برؤية تجاوزت النمط الذي هي عليه، باتجاه ما يبتكره الخيال، وخلق مكانة خاصة للحيوات، ارتقت بها أفقياً وعمودياً. هذا المنحى في التعبير يؤشر إلى مسألة أساسية في الخلق الفني ؛ وهو التعامل الشعري مع اللوّن والخط بكل أشكاله وهيئاته، وبالتالي يكون أمامنا نوع من التخاطر الحلمي ـ إن جاز التعبير ـ فالشكل المنعكس على اللوّحة هو عبارة عن حلم متدفق، يستلم مفرداته من المخيـال، حيث ينتظم في سردية لونية وخطية متنامية، فالحلم هو الأساس الذي تنبني عليه وبموجبه الرؤية الفنية للواقع وعلاقاتها الخفية والمُعلَنة.
وبين : ان الفنان معنيّ بما هو غير مرئي عبر المرئي أثناء التعامل مع المشهد، لذا نرى ثمة انزياح في ما يرى الفنان، وما تراه عينه الفنية، وما نراه نحن كمتلقين. وهو مركز التفاعل، أو الذي يُطلق عليه المعادل الفني، لأن اللوّحة تعتمد على مجموعة رؤى منها أولاً: رؤية الفنان وثانياً: رؤية المُبصِر لها فالسطح أيضا محدد برؤيتهما المتباينة أو المتفقة والمتقاربة. ففي هذا يلعب المعرفي دورا أساسيا في تشكيل الرؤى. فالنص هو واحد، سواء وجد في الطبيعة أو ضمن حركة الواقع الإنساني، أو هو من محددات رؤية التشكيلي أو المتلقي البصري. وفي هذا يلعب الحلم، الذي توحي فيه اللوحة كمحرك، دوراً مبهجاً عند المتلقي وفي الضفة الأخرى للتوصيل الإبداعي. هذه الحلمية تبرز من خلال تشكل بعض الرموز على سطح اللوحة.



