ثقافية

فيلم «أمور شخصية»استعادة الفلسطيني لإنسانيته

 

سليم البيك..

 

فيلم مها حاج «أمور شخصية» 2016. الفيلم الأول لمخرجته التي لم تبحث في ما أفترضه «دليلاً لصناعة الفيلم الفلسطيني» كي تكتبه، ولم تسعَ لتصوير ما يتوقعه صاحبنا غير العابئ بشيء والداخل صدفةً إلى فيلم، ولم تسعَ لتلقينه، بالنص والصورة، فلسطينيةَ فيلمها، من أول مشهد فيه.

أتت مها حاج بحكايةٍ لفلسطينييها استقلاليةٌ تامة، ركزت في شخصياتها، في كينونتهم وإنسانيتهم، أبقت لشخصياتها إنسانيتها، رسمتهم (كتابةً وتصويراً) دون اعتبار للإسرائيلي يفوق اعتبارها لهم. مبررهم الوجودي يكمن فيهم لا في مؤسسات الاحتلال وأفراده، ليسوا مرآة، ليسوا وسيلة لإظهار بشاعةٍ (مستحقة وبينة) في الإسرائيلي، بل هم الغاية، هم الفيلم. أعطت للحكاية الفلسطينية تفاصيلها المحلية الوطنية وكان الاحتلال ظلا في الخلفية، كما يجب أن يكون (إيليا سليمان، في «إن شئت كما في السماء» أغاظهم بتجاهله إياهم، بمحوهم إلا من مشهدٍ زادهم امحاءً وغيظاً).

كان الاحتلال في فيلم مها حاج مُهمشاً كما يكون الفلسطيني في أفلام الاحتلال، وأتى ضمن المَشاهد الأخيرة، في صيغته وموقعه الطبيعيين، في مشهد عابر يمكن حذفه كما يمكن الإبقاء عليه، فليس للإسرائيلي هنا مكانة مركزية في السردية، بل تتمة واقعية محجمة. حضور الإسرائيلي كان في حدوده، تحكمت به المخرجة ولم يتحكم هو فيها، صورته ضمن حدوده الضئيلة التافهة مقابل حضور الإنسان الفلسطيني ويومياته التي تستقل، في معظم تمثيلاتها، عن صورة الاحتلال.

في «أمور شخصية» مركز الفيلم هو الإنسان الفلسطيني، المَحلي ابن الناصرة، لا الكونكريت الإسرائيلي، الحكاية تتمحور حوله، وما عدا «أموره الشخصية» يكون تابعاً وثانوياً وتكميلياً، لا يكون هو وأموره الشخصية تابعاً للغريب على أرضه، حضور الشخصية هنا يكون لذاتها لا لذات الإسرائيلي. ليست شخصياتها، سلوكاً وكلاماً، رد فعلٍ لا أكثر، على وحشية الاحتلال (أناساً وأشياء).

في الفيلم لا يتحدد الفلسطيني سلباً، لا يكون الصورة النقيض عن غيره، فلا يكون الفيلم الفلسطيني بنقطة ارتكاز هي إسرائيلية. في الفيلم نشاهد الفلسطيني بوجوده التام، لا مُبرراً بالاحتلال، هو حاضر قبل الاحتلال وخلاله ومن بعده. لا نشاهد الفلسطيني هنا من خلف ظهر الإسرائيلي، ولا يكون همه الوحيد النجاة، ولا يكون إما بطلاً أو ضحية (بفعل الإسرائيلي دائماً) فللفلسطيني قبل ذلك كله إنسانية سبقت الحالة التي أوجدها الاستعمار عام 48، لا تتحدد هويتُه بها، ولم يبدأ حياته عامَها. كان للفلسطيني، دائماً، حكايات تتخطى الاستعمار/الاحتلال إلى إنسانيته.

فرض الاحتلال ظروف حياة على الفلسطينيين وانتشل منهم استيعابهم وإدراكهم لإنسانيتهم. مع الزمان تمدد هذا الفرض (بفعل صانعي الأفلام) إلى السينما، و«توَحشَن». أعادت مها حاج في فيلمها «أمور شخصية» للفلسطيني إنسانيتَه. هنا يكون الكفاح وجودياً وجذرياً ودائماً، لا ظرفياً ومتوقعاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى