ثقافية

طغيان المونتاج الشعري في ديوان” هذا غبار دمي”

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى أ.د . مصطفى لطيف عارف ان المونتاج الشعري كان حاضرا بقوة في ديوان( هذا غبار دمي) للشاعر حيدر عبد الخضر، مبينا ان القصيدة العربية المعاصرة قد أفادت من هذا الأسلوب .

وقال عارف في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي):أخذت القصيدة العربية المعاصرة تستعير من الفنون الأخرى بعض الأساليب الفنية التي تساند عملية البناء الشعري,وتدفع بها إلى حالات تشكل شعري جديد تضمن لها حضورها وديمومتها,مثل استعارة أسلوب الحوار من المسرحية,وتوظيف المعطيات السردية,وتيار الوعي من الرواية الحديثة,وكذلك استعارة الأنماط الفنية في فن الحكاية وتوظيفها,وأخيرا تعاملت القصيدة العربية مع الفن السابع (السينما),واستعارت منه أسلوب المونتاج.

وأضاف: إن هذه الدراسة تعمل على كشف مدى إمكانية أن تكون القصيدة العربية المعاصرة قد أفادت من هذا الأسلوب الأخير المونتاج ,وتقنياته التي تعد بؤرة العمل السينمائي,متخذة من مجموعة(هذا غبار دمي)للشاعر (حيدر عبد الخضر)أنموذجا لها  ,فلو أخذنا المرحلة المنتبهة التي تتجاوز المرحلة المباشرة إلى أساليب مونتاجية تدل على انتباه هذه المرحلة في استعمال هذه التقنية(المونتاج),أي المتجاوزة لمفهوم المونتاج فيزيائيا هو ربط لقطة واحدة بأخرى ,إلى مرحلة تحاول الإحاطة بعموم المشهد,وخير مثال على هذه المرحلة قصيدة : (ست نوافذ للصمت)للشاعر حيدر عبد الخضر,إذ افتتح المشهد بقوله :-                                                                                                                     

ذهب ليعبئ صوته

في الحشود

عاد محتشدا

            بالاسئلة.

وأشار الى إن الدلالات تنمو طويلا,ربما داخل الأمواج السائبة للحوادث اليومية المشروطة ب(البداهة التافهة),و(السيلان القدري) الذي يجري بمعزل عن الإرادة البشرية,أو المشيئة الإنسانية التي لا وزن لها سواء في( ست نوافذ للصمت)أو (تحت سماء الصفيح)يأتي الشعري غفلا عن التوقيع,يتحرك كما لو أنه طيف ليكسر قارورة اليومي,ويجعل رائحة الخوف,والدهشة تنساب بلا تكلف يذكر داخل يوميات قصائد حيدر عبد الخضر,وهو يحاول جر أقوال العباقرة إلى مستنقع العراق ,وجروحه النازفة في مجموعته الشعرية عموما ,وفي قصيدته الآتية خصوصا  وقد أجاد الشاعر في استخدام الرموز المعبرة عن الواقع المرير الذي عاشه الشاعر ,فنراه يقول: حاول الركون من عتمة

المرايا 

إلى دائرة

للضوء

وجد نفسه…

في مصيدة… الغياب  .

وتابع :يتشكل المشهد الشعري في القصيدة كلها من لقطتين,لقطة صغيرة جدا تستغرق(4)اسطر شعرية,ولقطة كبيرة تستغرق(6)اسطر شعرية,وحركة المشهد تخرج من قوة الصدمة بين هاتين اللقطتين,ففي اللقطة الأولى كانت الحركة واضحة,وهادئة ,وفي وضع معلوم,ولاسيما بعد إعادة أول حركة في هذه اللقطة ,وهي(ست نوافذ للصمت)إذ أعيدت هذه الحركة في منتصف اللقطة لتمثل على سهولتها استعمالا سهلا لأسلوب الاسترجاع ,وذلك ليعزز حضور اللقطة ككل بأجوائها,ودلالاتها,وفي هذه اللقطة تبدو الحكاية الشعرية مباشرة من حيث,تواصل الصور وبناؤها,  لان الشاعر منتبه في الإفادة من تقنية المونتاج,وذلك من خلال القصدية التي جاءت بها اللقطة الثانية,وهي تحمل دلالات تملأ القصيدة بالحركة إذ إن حركة هذه اللقطة مجهولة,ومرتبكة , وقد تجسدت في المقطع الآتي من القصيدة فنراه يقول: بعد أن أتعبه… الرفيف

نزع جميع الأرصفة

ونام على 

بوصلة .

 وبين: ومع هذا الغنى في تنوع البنية,جاءت القصائد بموضوعات مستمدة من روح الواقع العراقي في عقد التسعينيات,إذ  كان الجوع,وخسائر الحرب الفادحة,جديرين بإثارة القلق الوجودي في نفس الشاعر,واستنهاض كلمته المناوئة للواقع,والنافذة له,لتبوح القصائد بمواجع الذات ,والآخر,وترسم خطا بيانيا للازمة التي تعصف بحاضر الإنسان,ومستقبله ,فنراه يقول: نبش الرمال 

باحثا عن ظله

تعثر بالغراب

عندما استيقظ00 صباحا

وجد سريره معلقا

بالسقف

لكنه لم يجد 

لسانه

تذكر  أنه شاعر  .

وأوضح: لم نلمح في تفاصيل أية من هذه القصائد بارقة لروح تزدهي بالأمل,أو الحب 00 انكسارات,حروب,حزن,فوضى,قلق,وهذا هو تعبير مشروع عن ذات محملة بالأسى لا لنقص فيها,وإنما بدافع الضغوطات الخارجية التي أجبرت الكل على الانصياع لإرادة قاهرة عندما تختار البقاء في فضاءات العنف المتوالية,وإما عندما تختار الهروب إلى منافي بعيدة سيكون فيها الألمأشد مرارة,وضراوة,بسبب الغربة ,والاغتراب  ,فنراه يقول:  كلما داهمه جوع

التهم كتابا

فلما نفدت جميع الكتب

لديه 

لم يجد شيئا

 ليأكله

أكل  الجوع  .إن الشاعر حيدر عبد الخضر في هذه الأبيات لم يكتب شعرا عابرا,وإنما استرجع ذاته المتبقية في الذات العراقية المسلوبة الإرادة  في قوانين الحرب,وقوانين الموت,وقوانين التعسف التي مازالت باقية,وما زلنا نطبقها في هذا الزمن الجاري,لكل شيء بقية من الألم,والحزن,ولكن أليس للفرح في أعمارنا بقية؟سؤال أزلي نطرقه ونحن نجوب في خارطة الحزن التي رسمها لنا حيدر عبد الخضر في مجموعته الشعرية هذا غبار دمي.

  وختم: وهنا نرى الانتباه في استعمال تقنية المونتاج شيئا واضحا لدى الشاعر,وذلك في البناء ألمشهدي,مثل رسم المشهد الشعري بلقطة عامة أولا,والاستخدام البسيط لأسلوب الاسترجاع ثانيا,فضلا عن احتفال القصيدة المنظم بتوزيع الوحدات الديكورية ,وقد أشار عز الدين إسماعيل إلى براعة الشاعر ونضجه في البناء المشهدي في شعره,وذلك بصور كلية تأتلف في القصيدة ,هذا هو الظهير البانورامي لعموم العمل التصويري في القصيدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى