“ضريح أنّا أخماتوفا” دعوة الموت شعريا إلى مأدبة الحياة

المراقب العراقي/ متابعة..
.في ديوانه “ضريح أنّا أخماتوفا”، الصادر حديثاً عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة (سلسلة روائع الأدب العربي)، يسعى الشاعر المغربي حسن نجمي جاهداً إلى رد الوجوه إلى أصولها، وتسمية الأشياء بأسمائها المنسية، فلا تعويل في الكلمات وفي الخطوات إلا على الجوهر، والباقي كله مجرد تفاصيل زائلة. في الحياة، مثلاً، لن يتبقى مهرجان الضوء والموسيقى والألوان. وكذلك في الموت، فلن تتبقى طقوس البكاء والعزاء ومراسيم الدفن. وهكذا الحال في الزمن، الذي ينظر إلى البشر بعينه الماكرة، بحد مقولة “ريلكه”، فلن يتضرر إنسان بفقدان ساعته، أو بتحطم عقاربها، أو بتوقف دقاتها الاصطناعية، ما دام الوقت نفسه يدق في قلبه غير المنكسر “في أي الساعات ينبغي أن أثق؟/ لا أحب الساعات، التي تدق، فتكسر قلبي”.
على المستوى الظاهري، يبدو الديوان في مجمله محتفياً بتجربة الموت “جرب موتك الآن إن شئت”، وذلك بدءاً من عنوانه المحيل إلى ضريح “أنّا أخماتوفا” (1889- 1966)، الشاعرة الروسية البارزة، مروراً بعشرات المشاهد والتوقفات عند جنازات لأقارب وأصدقاء وأحبة، وأضرحة وقبور لشعراء ومفكرين وفلاسفة وشخصيات تاريخية (منهم الملك الشاعر الأندلسي المعتمد بن عبّاد، المدفون في “أغمات” بالمغرب على مسافة 30 كيلومتراً من مراكش)، وصولاً إلى الاعتقاد بأن سيرة المرء كاملة، قد لا تعدو أن تكون رحلة قصيرة يقطعها إلى ثقب في الأرض “من أكون في النهاية سوى فراشة نار، أراها تقترب من شمعة تقترب من نهايتها؟”.
لكن على المستوى الفعلي، الجلي والضمني، فإن الشاعر يقيم على امتداد ديوانه مأدبة حياة خصبة عامرة، بل إنه يدعو إليها كل الكائنات والموجودات لتشاركه حيويتها وخصوبتها، وعلى رأس قائمة ضيوفه ومدعوّيه: كائن الموت نفسه، الذي يتخذ في النصوص أبعاداً مختلفة، تمنحه ألفة وكأنه صديق حميم، فيحكي الشاعر لريح المقبرة كيف أنه يحب الحياة حقاً وصدقاً، حتى ولو أن صيف الحياة ماض سريعاً، ويدعو الشاعر رفقاء الليل الطويل إلى مشاركته الغناء، لكي لا يتهيب أحد من صوته، ولكي تنبت براعم الأمل في تربة العدم “كما ينكسر قمر أزرق هادئ على السطوح/ كما تتبعثر أقدام حافية على العشب البارد في الليل/ تحمل الريح أغنياتي لتوزعها على المنازل/ والطيور المهاجرة توقف ظلها ليستريح”.
في مجموعة من القصائد المكثفة التي لا تتجاوز 112 صفحة، ينسج حسن نجمي ما يمكن وصفه بشبكة اصطياد الحقائق، وهي شبكة كبيرة معقدة، متعددة الخيوط والامتدادات والاتجاهات، بحيث لا تخطئ الأمكنة المتشعبة، قريبها وبعيدها، ولا تفلت من قبضتها لحظة عابرة، سواء كانت في الماضي المحكي عنه، أو في الحاضر المعاش.



