ثقافية

الخيانة

 

   مصطفى العارف..

أجواء ماطرة , وسماء ملبدة بالغيوم ,  وألوان زاهية لطيور ملونة تحلق عاليا تشكل أشكالا هندسية مختلفة , ,ينث عليها المطر من كل مكان ,فتؤدي الطيور مختلف الحركات مع زخات المطر في السماء ,لا تستطيع الوقوف على الأشجار فقطرات المطر تحتضن الشبابيك مخلفة أثارا جميلة , ,وكيف تجسدت الطبيعة في هذا المنظر الجميل , الأشجار مخضرة , وابتسامة الطيور – سألتني جنى 0هل أعجبك المنظر عزيزي هيثم؟

أنت منذ ساعة كاملة تتأمل بهدوء هذا المنظر, ولم تشعر بوجودي قربك  أعددت لك القهوة وأكلمك, ولم ترد علي .

–  تذكرت هذا اليوم بالذات في التسعينيات عندما كنت طالبا في الصف الخامس إعدادي , لا نملك قوتنا اليومي أتذكر جيدا عندما أكلنا نشارة الخشب , والحجارة  التي تطحن لنا مع الطحين وتقدم لنا في كل شهر  من قبل اللصوص أصحاب المطاحن  , باع والدي السقف , وأبواب بيتنا من اجل  توفير لقمة العيش , وعندما كانت نساؤنا تملك عباءة ,واحدة ترتديها كل نساء البيت عند الخروج للدوام  , عانينا من الحرمان, وتجبر المسؤولين  في زمن الحصار الجائر كنا نتجمع حول شجرة يابسة نحرقها لتوفير الضوء ,والدفء , كل ملابسنا تتشبع برائحة دخان كثيف , وفي الليل لدينا لآلة نشعلها ,وعندما نسمع صوت الطائرات تقترب منا نخفي اللالة لكي لا يشاهدها الطيار, ويوجه علينا أسحلته القاتلة, ونحن نعيش في حالة رعب مستمرة ,ومقززة , حتى تشرق الشمس فنشعر بحالة من الاطمئنان ,والسعادة .

كانت الرياح شمالية تسير بسرعة فائقة , وهطول الإمطار بكميات كبيرة , وانقطاع التيار الكهربائي , -: صاح احمد بصوت عال , هل تسمعون صوت أطلاق ناري كثيف0 إجابته زوجته نور نعم اسمعه بوضوح , اذهب بسرعة ادخل الأطفال إلى الغرفة الأخيرة  اسمع صراخهم من الخوف  0 والدي مستلق على الأرض يسمع الأخبار عن طريق مذياع قديم يعمل على البطارية  , ووالدتي تصنع الخبز لنا لأننا نعاني من الجوع ,والحرمان لسنوات طويلة , تستمر عملية صنع الخبر اليوم كله .  

 هجم علينا الحرس لإخماد الانتفاضة  الشعبية  التي أرادت الإطاحة بالنظام , وهزت عروشهم من قبل بعض المواطنين  العزل الذين عانوا من الظلم ,والاضطهاد , حينها حدثت ضجة كبيرة في المنطقة بدا تجمع الجيران , هناك من يقول مواجهات عسكرية , وآخر يقول دخل الثوار لتحرير المدينة , رأينا السنة النيران تشتعل وترتفع عاليا في السماء , وإطلاق قذائف الهاون , وأنواع الأسلحة , وبعد ساعات انتهى كل شيء , -: طلب مني جاري نبيل التوجه إلى وسط المدينة لنشاهد ما جرى , ذهبنا في الأزقة التي تؤدي إلى مركز المدينة حريق هنا , وهناك تخريب للدوائر ،منظر بشع ,ورهيب عدنا مسرعين , وروينا ما شاهدناه إلى أهلنا بكل التفاصيل 0 

وبعد عدة أيام سمعنا أطلاق نار كثيف قريب منا , تجمهر الناس حول بيت السيد عبد العالي , وتم تطويق الجميع من قبل القوات الأمنية , كانت معهم  امرأة ترتدي قناعا اسودا لا يظهر من وجهها أي شيء , فهي لا تتكلم لكنها تعطي أشارة للقوات الأمنية  بان هذا الشخص قد اشترك في أعمال التخريب  التي جرت قبل أيام فيتم اعتقاله, ودفنه حيا , وعندما توجهت ألي أصابني الخوف, والفزع , ركزت علي لكنها تركتني وبدأت أتنفس الصعداء ,وأشارت على  صديقي نبيل فتم اعتقاله وتقطيعه اربأ اربأ 0 دخلت مدرستي فوشى بي احد الطلبة الذي يعمل جاسوسا , وهربت من المدرسة إلى الحدود السورية , وطلبت اللجوء السياسي منذ تلك الحقبة الزمنية .

تم إعدام عائلتي كلها من غير سبب , لكوني هربت خارج العراق .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى