فيلم «القضية 23» صخب سياسي وافتعال حكاية درامية

محمد عبد الرحيم..
لم تزل الأعمال السينمائية التي تتناول الشأن الفلسطيني على تنوعها، سواء الشخصية الفلسطينية، أو الوضع داخل الأرض المحتلة، تعاني من حالة من حالات سوء الفهم الدائم، فالعمل لن يرضي أحدا بشكل تام، وهو إما أن ينحو إلى جماليات السينما أو يكتفي بأن يكون بياناً فجاً من كليشيهات النضال المعروفة، وبين هذا وذاك تأتي تجارب على قدر من التوازن، كأعمال إيليا سليمان على سبيل المثال.
ونأتي إلى فيلم عُرض منذ سنوات بعنوان «القضية 23» أو «الإهانة» وقد أثار بدوره الكثير من الجدل، سواء بدعوى التشجيع على التطبيع، أو الانتقاص من الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، حتى إن البعض نادى وقتها بمقاطعة سينما «زاوية» التي عُرض من خلالها الفيلم في القاهرة، رغم أن أكثرهم لا يدري عن الأمر شيئاً، سواء عن الفيلم أو مخرجه اللبناني زياد دويري. هنا تجد الأصوات العالية مجالاً مناسباً للصياح، ومحاولة إثبات الوجود، من خلال العبارات المعهودة عن الخيانات المجانية، وهي فرصة مناسبة تماماً للنضال أمام الميكرفونات، وكذا بعض المقالات في الصحف أو على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي ـ البعض منهم لم يُشاهد الفيلم ويتضح ذلك من تعليقه، الذي ينصرف فقط حول الموقف من حكاية الفيلم، الذي بالكاد سمعها.
من ناحية أخرى تأتي مثل هذه الأعمال الشائكة بموضوعاتها لتختبر من حين لآخر حالة الفصام التي نعيشها، فمن التغني بالحرية ليل نهار، إلى دوغما المواقف، التي لا يحيد عنها أصحابها ـ المواقف لا المبادئ ـ وتصبح سلسلة الاتهامات المتواترة تتواصل ضد أي صوت يحاول الاختلاف، ولو لمجرد الدعوة إلى مشاهدة العمل فقط والاحتكام إليه، من خلال وجهته الفنية، التي لن تكون في صالح فيلم دويري، اللهم إلا أن يريد افتعال جدل سياسي حول ما يسرده، سواء لموقف يتبناه، كمناداته بمحاولة التعايش مع الكيان الصهيوني، أو إزالة بعض من الهالات المقدسة عن القضية الفلسطينية، ولن يضيف إليه ترشيحات الأوسكار، فالسينما العربية معروفة بتأريخها السيئ في مثل هذه المهرجانات. الفيلم أداء عادل كرم، وكامل الباشا، وريتا حايك، وكميل سلامة ودياموند عبود. تصوير دومينيك ماركومب، موسيقى إيريك نيفيه. إنتاج فرنسي لبناني، سيناريو وإخراج زياد دويري.
وبغض النظر عن دويري وموقفه ـ وهو حُر يعتنق ما يشاء ـ هناك العديد من الأعمال السينمائية، التي أخرجها سينمائيون من داخل إسرائيل، اتخذت منهم إسرائيل الموقف نفسه، أي وضعتهم في خانة المغضوب عليهم، هذه الأعمال جاءت أكثر وعياً وفناً من عمل دويري، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر «العروس السورية» و»شجرة الليمون» حتى ميشيل خليفي وفيلمه «عُرس الجليل» لم يسلم من الانتقاد حتى الآن، بتهمة التطبيع المعهودة، والعمل الأكثر تماساً من فيلم دويري «فالس مع بشير» الذي تعرض لما فعلته قوات الاحتلال في لبنان. رغم موقف مخرج الفيلم الذي حمّل المؤسسة السياسية والعسكرية ما حدث. هؤلاء في الأغلب مرفوضون داخل إسرائيل، وبالطبع يجدون الرفض نفسه من قِبل العرب، من دون حتى مشاهدة أفلامهم، فبما أن الفيلم يحمل جنسية دولة الاحتلال، فهو مرفوض بداهة! فهل يستحق مثل هذا العمل المتواضع كل هذه المعارك؟



