ثقافية

شكسبير كتب السيناريو قبل قرون من اختراع السينما

 

إبراهيم العريس ..

لعل ما يدعو إلى الدهشة أكثر من أي شيء آخر في المسيرة الفنية للمخرج أورسون ويلز هو ارتباط اسمه باسم الكاتب  المسرحي ويليام شكسبير بشكل قاطع، إذ يعتبر كثر من الباحثين والنقاد أن ويلز شكسبيري إلى حد التخمة، مع أنه لم يحقق سوى فيلمين مقتبسين مباشرة من مسرحيات سيّد المسرح العالمي، إضافة إلى فيلم جمع فيه شتات شخصية شكسبيرية من مسرحيات عدة وآخر تحدث فيه عن تصويره لواحد من الفيلمين، وهو المعروف باسم “تصوير عطيل”. وهناك في الواقع أمر يتعلق بانتساب ويلز إلى شكسبير يتعدى كمّ الأفلام التي “تشاركا” فيها، وربما يمكن اختصاره بما قاله ويلز مرة وكرره بعد ذلك مرات، وهو أنه يعتبر شكسبير أعظم كاتب للسيناريو السينمائي في تاريخ الفن السابع. وويلز قال هذا من دون أن يرفّ له جفن، متجاهلاً القرون الطويلة التي مرت بين رحيل شكسبير وولادة فن السينما. مهما يكن، هو فسّر الأمر يومها قائلاً ما معناه في المفهوم الويلزي للسينما والكتابة لها إن Top of FormBottom of Form المرء بالنسبة إلى صاحب “هاملت” و”عطيل”، “ليس في حاجة إلى أي نقل تقني للنص، حتى يصبح هذا صالحاً لأن يُصوّر سينمائياً… كل ما يحتاج إليه المرء هو أن يضع الكاميرا أمام الممثلين ويصوّر”.

طبعاً، يبدو هذا الكلام من قبيل المغالاة، لا سيما في كلام مخرج اقتبس واحداً من أقوى وأجمل أفلامه، من أربع مسرحيات جمعها معاً لشكسبير، وهو فيلم “فالستاف”، لكننا في الحقيقة إن دققنا في هذا الكلام، سنجد أن ويلز لم يبتعد عن الحقيقة كثيراً. ولعل الدليل الأوفى على هذا، هو الميل الدائم لدى السينمائيين إلى اقتباس أعمال شاعر الإنجليز وكاتبهم الأعظم. فشكسبير لم يكتفِ بأن تُنقل كل أعماله إلى الشاشة، بل تجاوز هذا كثيراً، إذ إن أعماله الرئيسة، ومعظم أعماله الثانوية أيضاً، نُقلت عشرات المرات لكل منها. وعشرات المرات هذه لا تشمل سوى الجزء البارز من “جبل الجليد”، إذ ثمة مقابل كل فيلم يحقق أو نص يقتبس، أعمال كثيرة لا تعلن عن نفسها أو عن انتسابها إلى أعمال شكسبير، بحيث يبدو من المستحيل وضع لائحة نهائية بما تدين به السينما – كل السينما – لشكسبير، في كل مكان وزمان.

وإذا كانت المراجع الأكثر موثوقية تتحدث عن نحو 500 اقتباس رسمي ومعلن لأعمال شكسبيرية على الشاشة الكبيرة، فإن في إمكاننا أن نفترض أن العدد الحقيقي من المحتمل أن يصل إلى ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف عمل، معلن أو غير معلن، إذ يندر أن يوجد بلد لم ينتج السينمائيون من أبنائه أفلاماً تمتّ بصلة ما إلى شكسبير. ولئن كان- بالتالي- من المستحيل، وضع لائحة عالمية نهائية بالسينما الشكسبيرية، يمكن الاتكال على اللوائح الأكثر رسمية، أي التي تتحدث عن اقتباسات شكسبيرية صريحة ومعلنة في السينما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى