ثقافية

«يوم ينتفض عصفور» محاكاة ساخرة للواقع

 

محمد العرابي..

تأتي رواية «يوم ينتفض عصفور» للمغربي محمد شيكر دار حنظلة 2021 ـ 298 صفحة من القطع المتوسط، بعد روايات «الدجَّال» 1988، و»الرجل الذي لا ظل له» 1991، و»الرافض» 2002، كمحاكاة ساخرة لواقع عصي على القبض، يصعب الحفاظ عليه كما كان، مثلما تصعب استعادته، دون الإساءة إليه، باعتبار أنه متغير باستمرار، محكوم بتاريخي هراقليطي لا يستعيد حدثا مرتين بالكيفية نفسها، لذلك فإن محاولات السارد تأبيد الزمن الطفولي في الأماكن الحدودية تبوء دائما بالفشل، وتترك غصة مريرة في المرتحل نفسه عبر الأزمنة والأمكنة، الحقيقية والافتراضية. ولكي نوضح صعوبة الانتقال بين الأزمنة يكفي أن نشير إلى التأجيل المتكرر، والرهاب الذي كان يتملك السارد لتنفيذ زيارته للأماكن والفضاءات، التي احتضنت طفولته الأولى لمعرفته، بل ليقينه أنه سيفقد جزءا مهماً من كيانٍ ظلَّ يرعاه ويتعهده ليخفِّف عنه وطأة الحاضر والمصير البائس لوطن مشترك، أو بحكم التاريخ الاستعماري ومخلفاته، لوطنين (جوج بغال) ضيَّعا أنفسهما وتاها ولم يعرفا طريق الرجوع.

تحاكي رواية «يوم ينتفض عصفور» ظاهريا، السيرة الذاتية، وليست هي تماما من حيث إن التخييل هنا يحتل مساحة لا يستهان بها، ولا يسعى العمل الروائي إلى المطابقة بين زمنين، أحدهما حصل فعلا، والآخر ترسمه اللغة في إيحاء منها بالوفاء لما جرى من أحداث ووقائع، كما يحدث في السرد التاريخي؛ ومن حيث إن زمن الحكي يستغرق يوما واحدا على أقصى تقدير، لرحلة هي الأقرب إلينا زمنيا (صيف العام 2018، في ظل الجو الاجتماعي المحتقن لحراك جرادة) كما أن السارد لا يتماهى تماما مع صوت الطفل الذي غدا كبيرا الآن، ويستطيع أن يأخذ الكلمة ويناقش ويجادل ويتبنى الموقف الأيديولوجي التنويري، لذلك يظل الطفل جزءا من السارد، أو منتميا إليه، دون أن يعني ذلك أنه هو هو، لأن السارد الذي يعيش اختناقا الآن يعطي الكلمة لذلك الطفل متى ما كان ذلك ضروريا، كنوع من التنفيس، وكي يعبر عن نفسه ويستطيع أن يواصل حياة عاشها على الحدود المغربية الجزائرية، وعاصر السنوات الأخيرة للثورة الجزائرية وتعرف على العديد من أعضاء جيش التحرير، الذين كانوا ينطلقون من المناطق الحدودية لتنفيذ عملياتهم المسلحة داخل التراب الجزائري، ورأى بأم عينيه كيف كان التعايش بين مكونات شعبين لا يفرقهما لا التاريخ ولا الجغرافيا. وخلال هذه الرحلة نتعرف على العديد من عائلات أبناء «المخازنية» داخل ثكنات شبه عسكرية، وعلى أبناء عائلات منجميين، شكلوا وقودا ومحركا لعجلة الاقتصاد الكولونيالي الذي كان يستنزف خيرات البلاد المستعمَرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى