“قضية إسكات الببغاوات” مشاهد مسرحية من واقع معطوب

المراقب العراقي/ متابعة…
في كتابه “قضية إسكات الببغاوات” (دار يسطرون)، الذي يتضمن مجموعة من النصوص المسرحية القصيرة، يقتنص الكاتب إبراهيم الحسيني من الواقع مشاهد بعينها، ويعيد إنتاجها عبر منهج رمزي، ليكسبها دلالات تتجاوز الواقع، وتفتح باباً على التأويل والإسقاط. يتألف الكتاب من أربعة نصوص: قضية إسكات الببغاوات، والعدالة الفاسدة، وحكايات الشتاء، والرجل والكلب، يمارس الكاتب خلالها لعبة الرمز، فيجمع بين جمالية البناء وعمق المعنى، ويمزج بين نكهة التراث وتجليات الحداثة، لينتج صورة بانورامية عن واقع يضرب العطب في أرجائه، ويصدر ثيمة رئيسة تتعلق بمعاناة الإنسان والعدالة الغائبة.
يستهل الحسيني بناءه بنص “قضية إسكات الببغاوات”، بينما يستهل هذا النص بصيغة إسنادية “يُحكى أن”؛ تمهد لحضور الموروث، الذي يتجلى بصورة أوضح عندما تتحدث الببغاوات، مُستدعياً النص الأشهر “كليلة ودمنة” الذي ترجمه ابن المقفع عن اللغة السنسكريتية في العصر العباسي. وبينما يبدأ مسرحيته بإشارة من الراوي عن الببغاوات وعلاقتها بالقفص والحراس، يعود الكاتب لتجزئة هذه الإشارة، ويوزع عباراتها على مشاهد المسرحية، ليستهل مشاهده ببعض تلك العبارات -معتمداً تقنية التكرار- بما يتسق تماماً مع فحوى كل مشهد ورسائله الضمنية.
تدور أحداث المسرحية الأولى حول سيدة تحتفظ بمجموعة من الببغاوات، يثير صراخها غضب الجيران. يتنامى الصراع بين السيدة وجيرانها فيصل إلى أروقة المحاكم، ولا يتمكن القاضي من الفصل بين طرفي النزاع، فالقانون لا يمنع اقتناء الحيوانات الأليفة، وفي الوقت نفسه يعاقب على إزعاج الجار، لكن لا أحد باستطاعته إسكات الببغاوات.
يبرز الكاتب عبر هذا النص فكرة القمع واستحالة العيش من دون الحرية، فالحياة داخل الأقفاص لا تتراءى للحراس مثالية إلا لكونهم لا يفقهون. ثم ينطلق من هذه المقدمة مُبرزاً النتيجة الحتمية للقمع، التي تتمثل في صراع عبثي يحتدم بين الببغاوات أنفسها داخل القفص، فتتسبب في إزعاج مَن هم خارجه، ويستمر إزعاجها حتى بعد قطع ألسنتها.
وخلال رحلته الرمزية يطأ الكاتب بعض أمراض الواقع، فينكأ جروحه، ويرصد العديد من القضايا والمشكلات الاجتماعية مثل الفساد والرشوة وقول الزور وإهدار الطاقات في صراعات عبثية. ويصدّر رؤية مفادها أن للحقيقة -أحياناً- وجوهاً كثيرة ولا يمكن لأحد احتكارها، وقد أتقن تمرير هذه الرؤية وأتاح لأطراف الصراع القدر نفسه من التعاطف، بما يسمح للقارئ بالانحياز لأي منها.



