رهانات المنافي..مغامرة فنية تجمع بين المنحى الكلاسيكي والحديث

المراقب العراقي / المحرر الثقافي…
يرى الناقد عباس لطيف ان مجموعة “رهانات المنافي” للشاعر وليد حسين هي رصد للجمال عبر توظيف يوميات الوجع وادانة قبح الحرب.
وقال لطيف في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي):يتمركز الخطاب الشعري حول استشراف سرانية العالم عبر البوح والنبوءة والتوغل في أعماق اللحظة الملتبِسة لينتج أفكارًا وصورًا ومعاني استثنائية وليس من السهل التقاطها واعادة انتاجها جماليًا وغالبًا ما ينطلق الشِعر وفقَ تحليق شفيف وعذب لتصوير وتجسيد شعرية (البوح) واللجوء إلى مناطق التوليف والتنويعات سواء على مستوى الشكل والمضمون واستعارة تقنيات وثيمات تجعل منهُ منظومة جمالية تجمع بين المتعة المعرفية والمتعة البصرية كون النص الشعري ليس سوى متوالية من الصور الباذخة.
واضاف :في مجموعة (رهانات المنافي) نجد مثل هذه الاشتغالات والتنويعات الاسلوبية كما نجد التنويع على مستوى الموضوعات أو المهيمنات الفكريةفمنذ الومضات الأولى نتلمس اشتغالًا فنيًا على مستوى التوازن والتشابك بين بُنية الشعر العمودي والشعر المرسل وهذا التعالق أضفى على نصوص المجموعة شكلًا جماليًا نتج عن روح المغامرة للتناغم بين هذه الثنائية.
وتابع :لذا يمكن القول أنَ (رهانات المنافي) هي تجربة تنطوي على مغامرة على مستوى الشَكل الفني وإيجاد هاجس تعبيري يجمع بين المنحى الكلاسيكي والمنحى الحداثي مما يمنح النصوص لونًا أو طعمًا جديدًا ولم يؤدِ هذا التعالق إلى ضعف الأداء على مستوى الأفكار والصور والمعاني بل زاد من عمقها وجماليتها.
ودنوت مِنها كي تفيض بجمرِها
ما كان أقسى وقعها في حالتي
تجتثُ من كل العصور هوادةً
إني أعاقر غفلةً في ساحتي
قد عدت مجترحًا ألوذ بشائكٍ
حتى أنحنيت إلى مخارجَ قامتي
واستطرد :نجد من الظواهر الفنية في المجموعة التركيز على الصورة الشعرية وبما يعمق الإداء البَصري في أغلب النصوص.
ولكم شَذا ذاك الحنين وما احترق
قلبٌ تلظى بين أكداس الورق
لم يستغث..
ما زال في الأفق القريب بقيةٌ
وعلى مدار البحث يتسعُ الشفق
في نصٍ آخر:
أنا ماهر بالفقدِ
في شارع الطوسي
أودع الموتى..
بإلقاء اللوم عليهم
ونجد من ضرورات الصورة هو التمركز حول الأمكنة وتصويرها ممزوجةً بالمشاعر والمعاني والإيحاءات وتجد الأمكنة تتماوض في أغلب النصوص مثل (بغداد) و(شارع المتنبي) و(شارع الطوسي) و(كربلاء) وغيرها من الأمكنة.
لي ببغداد السنا قمرٌ
بان عَنّي ليتني همدُ
أتشظى دون ضحكتها
والرؤى جاشت وترتعدُ
وفي نصٍ آخر:
في أسواق ليبيا
الأرانب الداجنة مذبوحة
معلقة
في محلات القصابة
تجدها
دون فصل الرأس عن الجسد
وفي نصٍ آخر:
يا حزن بيروت..
عن عينيّ لم يغبِ
أسرى بي الشوق في إضمامة الهُدبِ
إني أكفكف دمعاً منذ حاصبةٍ
بها من الروع ما ألقي عن النشبِ
ولفت الى انه يمكن تلمس التوهج الشعري في تناول موضوعات في المسكوت عنهُ أو رسائل أمكنة أو رثاء الواقع بمجملهِ وما ينطوي هذا الرثاء الشعري على مسحةٍ من الرفض والتحريض للإمساك بكل ماهو سامٍ ومتعال..
لا جيل لنا
نحن بقايا الستينات
أصحاب النكبات الجمّة
في الشعرِ
لا نقرَ لنا أيضًا
سوى آهاتٍ مغلفةٍ بصوت الطواحين
وتعيد انتاج السفسطة
بقوالبٍ شتى
لكني..
دون مقدمات خلدونية
وبعض التزويق المشوبِ بنفاق
العامّة والخاصّة
تذكرت أني..
لا أُحِسن العزاء
فالخيبة دليل ملازمةٍ
وبين :يتناول الشاعر أحزان الوباء الكوروني كنوعٍ مِن الوجع اليومي الذي يعاقرّهُ وكصورة توثيقية كأنه يرمز لأنواعِ البلاء.. فهناك وباء الإنتظار والخيبة ووباء الإنكسارات وأحزان المنافي.
ألتمس الكورونا
من نافذةٍ..
ما كان وحشًا قاتلًا
لكنهُ..
ينتزع قداسة المدن السائبة
يسطح أحلام البنفسج
بحنايا متعبة
يعيق حركة عقارب الوقت
والناس عاكفة..
ترتدي الضجر واللامبالاة
وعن وجع المنافي يقول:
في المنافي
سرّني حلمٌ
لو علقنا ناهز الحِقبا
ما خاب طيفٌ يحاصره
من أتون الصحوِ قد شربا
قد تراني باسطًا يده
لي نوالٌ عاد مغتربا
ورغم تزاحم الوجع والانكسار والرثاء نجد نصوصًا هادرة في تصوير الغزل والعشق:
خذني لعينيك ما شوقي إلى القبلِ
إلا ارتشاف الندى
في حضرةِ المقل
كأنها غابةٌ شاءت بخضرتها
أن يستظل بها المفتون مِن علل
خضر العيون..
إذا جالّت بنظرتها
واسترجعتها بنهمٍ دونما جدلِ
وختم :لا يمكن لأية معاينة نقدية أن تغفِل براعة الاستهلال في أغلب نصوص المجموعة والعناية في وضع الخاتمة وبما يشبه لحظة تنوير كما يمكن الاستدلال إلى اللغة الشعرية المحلقة والمزاوجة الجميلة والحاذقة بين مفردات (الموروث) الشعري وبين اللغة المعاصرة وهذه إشارة دالة على التعالق بين عالمين وصولًا إلى البؤرة الشعرية التي تستفز ذائقة المتلقي وتؤدي إلى أداءٍ متوازن وجمالي يفتح أفقًا ومساحات في الإيحاء والتأويل وإشاعة متعة بصرية وذهنية وتفجير طاقة الدلالات اللغوية والتحليق بالمعاني والصور.



