ثقافية

ناجي العلي… جرأة الفيلم وواقع القضية

 كمال القاضي..

في عام 1991 افتتح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي دورته التاسعة بفيلم «ناجي العلي» الذي أخرجه المخرج الراحل عاطف الطيب، وقام ببطولته نور الشريف، وتم اختيار الفيلم تحديداً ليكون مُفتتحاً للمهرجان لعدة أسباب، أولها بالطبع القيمة الفنية للفيلم، إضافة لأهميته السياسية، الناتجة عن أهمية ناجي العلي كفنان فلسطيني ورسام كاريكاتير، بارز اشتهر بآرائه السياسية المعارضة والمناهضة للأفكار الليبرالية الخالية من المسحة الثورية.

تميز ناجي العلي عبر مسيرته الإبداعية بتشدده الوطني والسياسي في مواجهة من سماهم، رموز الخيانة الذين باعوا كل غال ونفيس بلا مُقابل، كأنه التبرع السخي بالتاريخ والوطن والدم، وتبعاً لهذه القناعة عاش العلي حياته مُختلفاً ورافضاً وساخطاً، وظل على رأيه إلى أن اغتيل في العاصمة البريطانية لندن، على يد من نعتهم بالخيانة، بعد أن فضحهم وكشف زيفهم وجعلهم مسوخاً في رسومه التي تنطق تفاصيلها بالعار والهزيمة.

وفي إطار المواجهة لم يدخر الفنان العنيد وسعاً للاستمرار في مسيرته إزاء قضيته، ولما كان الفنان الراحل نور الشريف بطلاً للفيلم، الذي وثق حياة ناجي العلي وحمل اسمه، فقد تم تسجيله في صحيفة السوابق الجنائية ووقف منه البعض موقف العدو، باعتباره مروجاً لأفكار رجل اتهم بعض الرموز العربية بالخيانة، ولم يكن ذلك هو الهدف بالطبع، غير أن الحقيقة انطوت على تصفية حسابات شخصية مع نور الشريف، وجهل مُطبق بناجي العلي ودورة الإبداعي والسياسي، وأمام الحملة المسعورة التي واجهها الفيلم تحول رسام الكاريكاتير الكبير في نظر بعض الناس من رمز وطني إلى عدو! وبالتبعية طالت نيران الحملة نور الشريف، واتهمته بعض الأقلام المُغرضة بالعمالة، لأنه جسد شخصية البطل وساهم في إنتاج الفيلم مع المنتج اللبناني وليد الحسيني، الذي خسر جراء الحملة الصحافية المُنظمة الكثير، وعليه صار ناجي العلي فناناً عاقاً يستحق القتل، ونور الشريف عميلاً مع سبق الإصرار والترصد، علماً بأن الكتابات التي دُبجت والمانشيتات التي نُشرت، لم تبين وجه العمالة في ما عُرض بالفيلم من أحداث، أثبتت الأيام أنها كانت أقل من الواقع بكثير، حيث تنطبق كل المشاهد التي تضمنت احتجاجات العلي ونقده في رسوماته وفنه على الحقيقة الواقعية الثابتة، بالأدلة والبراهين بلا زيف أو افتئات. فالجيوش العربية الجرارة لم تأت لتحرر القدس من الحصار، واتفاقات التنازل التي شكلت استراتيجية التفريط في الوطن المُغتصب لا تزال سارية، تلك التنويعات الدرامية التي عرج عليها الفيلم، وتسببت في الأزمة، وكادت تفتك بنور الشريف قبل عودة الوعي للجمهور الذي اكتشف تفاصيل المؤامرة على الفيلم، والبطل، والشخصية الرمزية، التي دارت حولها الأحداث.

لقد طوى النسيان تفاصيل الخلافات والاتهامات المزعومة، ورحل نور الشريف وهو على قناعة تامة بأن ما قدمه كان الحقيقة بعينها بلا ريب، وقد بقي فيلمه الأشهر وثيقة سينمائية استثنائية، تُضيف لأصحابها مزيداً من الامتيازات، بينما ظلت بعض القنوات التلفزيونية الحكومية الرسمية على عهدها في الخصومة، رغم وضوح الرؤية وزوال الشكوى ورحيل الشاكي واختلاف المرحلة وخروج عشرات الرسامين وآلاف الرسوم الكاريكاتيرية، التي ارتفعت نبرة نقدها على صوت «حنظلة» البطل المنكوب في مخيلة ناجي العلي، ذلك الذي صدق حدسه وكان سبباً في استشهاد صاحبه وهو مُتكئ على ريشته ومُخضباً بدمه وألوانه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى