ثقافية

سينما الهجرة غير الشرعية ترفع الستار

 سعيد خطيبي…

مئات من الشباب يدفعون ما يكفي لإطعام عائلات بأكملها إلى تجار الهجرة غير الشرعية، يركبون قوارب ـ تتحمل أكثر من طاقتها ـ وهم يعلمون سلفاً أن احتمالات الوصول إلى أوروبا تساوي احتمالات الغرق في الطريق، مع ذلك يبتغون المغامرة ويبتذلون الموت، من بينهم أطفال وكهول ونساء، غالبيتهم يحركهم حافز مشترك: أنهم شاهدوا بعضاً من المقربين منهم أو أصدقاء لهم قد وصلوا ونجوا، وفي حال بلغت رحلة هؤلاء المهاجرين السريين وجهتها، فإن حياة بعضهم ستنطلق، ليس من السعي إلى الحصول على وثيقة إقامة، أو عمل، أو سكن، بل إن أول شيء بات يصر عليه المهاجر غير الشرعي هو توثيق الرحلة، هو التصوير، هو الفيديو، هو الفيلم، هكذا ظهرت في السنتين الأخيرتين أعداد لا تحصى من أعمال مصورة، بادر إليها هؤلاء الراغبون في «الفردوس» بل إن بعضاً منهم باتوا من المؤثرين في وسائط التواصل الاجتماعي، لا يكتفون ببث مباشر أو فيديو قصير، بل يصنعون أفلاماً، تصور وتخضع إلى مونتاج، ونكاد نجد أنفسنا اليوم إزاء سينما عفوية، أو سينما ساذجة، إن صح التعبير، المخرجون فيها والممثلون والكومبارس كلهم من فئة واحدة، كلهم مهاجرون غير شرعيين.

يكفي تصفح اليوتيوب، كي نعثر على هذه الغابة الجديدة، التي نبتت بشكل عشوائي، التي يشرف عليها ويسقيها مهاجرون غير شرعيين، من مدن الجزائر كلها، يعرضون مهرجاناً من الأفلام المتفاوت في ما بينها في الحجم وفي الموضوعات، لا بد أن لا أحد منهم كان يعرف الآخر قبل سفرهم، بل كانوا أشخاصاً مجهولين، أسماء وأرقاماً في سجلات الحالة المدنية، فالمهاجر غير الشرعي لا صفة له، إلى أن يقطع البحر، لكنهم سوف يعرفون بعضهم بعضاً بعد سفرهم، وقد صار الناس في الداخل يعرفونهم أيضاً، والمثير أن عدد متابعيهم من شباب الداخل في تزايد، وتعليقاتهم تشي بدعم لهم، بل صاروا أنصاف أبطال في أذهانهم، وتتملكهم رغبة في تقفي أثرهم.

قوارب العبور لا تحتمل الوزن الثقيل، ، لكنهم مجهزون بأحدث الموبايلات، التصوير والتركيب والتحميل على النت ، بمجرد وصولهم إلى أول ضفة شمالية، يشرعون في الرحلة الثانية، الرحلة الأطول والأقل خطراً، يزورون مدناً ويصورنها ويعرضونها على جمهورهم في الداخل، نشعر كما لو أنهم نووا على الهجرة، مدركين ما سوف يفعلونه بعدها، كما لو أنهم درسوا خرائط أوروبا، يتحدثون عن المدن ومواقعها وما يُجاورها، كما لو أنهم يقيمون فيها من زمن، وكأنهم يعرفون أهلها، مع أن غالبيتهم لا يُتقنون لغات أجنبية، لا تهمهم اللغة أكثر مما تهمهم الصورة، يصورون حياتهم اليومية، لقاءاتهم مع بعض، يقومون باستطلاعات تحسدهم عليهم القنوات التلفزيونية، يتسللون إلى أمكنة لم نكن نعرفها، يتلبسون ثوب البطولة، يستوقفون أوروبيين في حوارات، يقارنون بين بلدهم وأوروبا، لا يتوانون عن البوح بحنين إلى بلد فعلوا كل شيء قصد هجره، يسردون حكايات من ماتوا في الطريق، أو من رحلتهم الشرطة، يحكون مرات عن أيام قضوها في ملجأ أو في السجن، عن مهاجرين من دول أخرى، عما تعلموه من محنتهم، يصنعون سينما توثيقية جديدة عن غير قصد منهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى