«عينان خضراوان» طفلة ضحية الحروب الأهلية

المراقب العراقي/ متابعة…
قضت الفتاة السودانية عرفة أشهرا طويلة من معتقل إلى آخر، فقدت أمها صغيرة واختطفت حركة انفصالية إرتيرية والدها منها، عرفت سجن المتمردين الإريتيريين، سجن حركة سودانية مُعارضة، ثم سجن حكومة بلدها، عُنفت وجوعت، قتلت وكادت أن تُقتل، اغتصبت وأجهضت ما في بطنها، كلما نجت من سجان سقط في يد آخر، فقهت حيل الجلاد وصبر الأسير، نزحت من جنوب إلى شمال، سيراً أو في مقطورات شاحنات، حبلت مرغمة وتخلت عن صغيرتها، نامت في العراء وقاومت بطش المتشردين مثلها، امتهنت أحقر المهن كي تحيا، استمرت حياتها من قساوة إلى أخرى، دون أن تلفت انتباه أحد إليها، دون أن يتعاطف معها سوى القليلين ممن عرفوها، إلى أن غامرت باعتناق المسيحية، بعد عملها كمنظفة في كنيسة أتاحت لها العودة إلى الدراسة، ثم مالت إلى الزواج من مسيحي، فقامت الدنيا على رأسها، سيقت إلى المحكمة، ونطق القاضي بالإعدام في حقها، لكن قدراً لم تتوقعه سوف يُنجيها، وتتحول إلى بطلة في رواية «عينان خضراوان» (دار التنوير 2020)، للسوداني حامد الناظر، الذي التمس بعضاً من سيرة شخصيته من واقعة حقيقية حلت بمريم يحيى إبراهيم، التي حُكم عليها في السودان عام 2014 بالإعدام، بتهمة الارتباط برجل غير مسلم، مع أن عرفة في الرواية، ومريم في الحقيقة، يشتركان في مصير واحد، فإن الكاتب وهب بطلته ماضيا مُغايراً، ورطها في معارك اندلعت على الحدود بين بلده وإرتيريا، سايرها ما بعد منتصف التسعينيات إلى أوائل الألفية، وجعل من عرفة مطية في سرد شذرات من تشظي التاريخ السوداني الحديث.
إن حكاية عرفة في رواية «عينان خضراوان» إنما هي حكاية كل سودانية انتصرت لحريتها وللحب بدل الامتثال إلى دساتير الطاعة والقبلية.
جاءت «عينان خضراوان» في جزئها الأول، بعيني طفلة، كانت ببراءتها وخوفها وحزنها على فقد أمها واشتياقها إلى والدها، الذي غاب عن ناظريها، تحكي وتحلل وتناقش شؤون الحرب، من زاوية مُحايدة، لم يكن يعنيها سوى نجاتها، ونجاة صديقاتها اللواتي عرفتهن في معتقلات مثلها، لم تكن تفهم شيئاً في السياسة، ولا أسباب ما يحصل، بل إنها كانت تجهل تفاصيل حياة والدها السابقة، الذي كان مداناً من طرف الانفصاليين.
منذ الفصول الأولى من رواية «عينان خضراوان» تتبادر إلى ذهن القارئ رواية «الله يفعل ما يشاء» للإيفواري أحمدو كوروما، حامد الناظر آثر أن يحكي قصته على لسان فتاة، بينما كوروما على لسان صبي اسمه إبراهيما، الشخصيتان في سن متقاربة، يسيران بين ألغام معارك أهلية، الأولى من منظور سجينة، والثانية من منظور طفل ـ مُقاتل، الأولى شرق افريقيا، الثانية غربها، والروايتان تتفقان على أن هذه القارة السمراء بيئة خصبة للحروب الداخلية، إنها حقل مليء بكل أسباب النزاعات المسلحة، والقتل المجاني.



