ثقافية

“وجعخانة” قصص تمسك باللحظة العابرة لتؤرشف انكسارات وهزائم الناس الصغيرة

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي …

يرى الناقد حمدي العطار ان مجموعة (وجعخانة) للقاص حسين البعقوبي هي قصص تمسك باللحظة العابرة تتحدث عن انكسارات وهزائم الناس الصغيرة.

وقال العطار في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي) :اذا كانت كلمة خانة تعني (المكان) وهي كلمة غير عربية ، وغالبا ما تكون مع كلمة اخرى ليكون لها معنى متكامل مثل (جاي خانة- وجامع حيدر خانة او خانة اليك في لعبة الطاولي) لكن القاص حسين البعقوبي وهو المغرم بالمصطحات الغرائبية يضعها عنوانا لمجموعته (وجعخانة) ويمكن كان يقصد (مكان الوجع)، وجع الناس البسطاء الذين لا تتحقق احلامهم حتى في المنام!

واضاف :يستخدم البعقوبي في معظم قصص المجموعة ثنائيا متلازما، مواضيع القصص لا تعبر بالضرورة على أهمية لقاء البطل مع العالم الخارجي بل الاهم عنده هو لقاء الانسان مع نفسه مع دواخله ، هو يجسد شخصيات انسانية تحاول ان تمسك ب (اللحظة العابرة) كما هي الكتابة والتعبير (ما بعد الحداثة) ويشعر بها المتلقي محملة بالمشاعر ومؤثرة بقوة!

وتابع :في  قصة هوس هناك اكتشاف هو اننا “لسنا بحاجة إلى النطق بالكلمات” البطل (حسان) وهو يكتب للمسرح عملا يدين تفاقم الفساد والرشوة ، وسيلة التعبير (حركات اليد والجسد واحيانا تعابير الوجه) – نجحنا في إيصال الفكرة التي اردنا لها أن تصل إلى الناس وتمكنا من إمتاع الجمهور بالمسرحية- وعندما نبحث عن الثنائية التي قد لا توفر السعادة بل هي تكمل النقص الذي يشعر به كل انسان نجدها في هذه القصة متجسدة في شخصية (الفتاة) التي تتحدث مع حسان “يا رجل تغيب كل هذه السنين ثم تظهر أمامي فجأة، كانت حواسه جميعا تحاول أن تتواصل معها باستثناء فمه أو لسانه الذي فقد القدرة على النطق ولو بحرف واحد”ص119 وتأتي نهاية القصة بالغموض بدلا من التفسير فاليعقوبي يريد المتلقي ان يشارك في كتابة النص (ضحك الجميع.. وبادر الماكير إلى الاعتذار منها.. مؤكدا انه يتحمل مسؤولية عدم وضع الماكياج المناسب لتبدو مقاربة لسني. تدخلت هي لتسأل عن رأيي.. فقلت نعم موافق..ستكونين بطلة العمل المقبل)

واوضح : ان قصص المجموعة تتحدث على الاغلب عن الهزائم الصغيرة في حياة الناس لكنها هزائم لو اجتمعت تصبح كبيرة جدا، وهي تتوزع بين الواقعية و الفنتازيا، فإذا كانت قصة (أسوأ قصة في العالم) امتدادا لقصة (دوران) من حيث الشخصية المعقدة والمركبة والمهزومة من الداخل ، وهي ايضا تتحدث عن شخصية الانسان الحالم “حلم كتابة أغرب نص أدبي في العالم” وهي تتناول (الاحساس المزدوج بالتواجد في مكانين في الوقت ذاته) وتتجسد الغرائبية في التداعيات لشخصيات القصة (الثنائية) وجدي والقاص – دائما- وتبدأ بقراءة جمل بصياغة فلسفية (وبدلا من أن أحلم صرت أحلم بأني لا أحلم).

 واشار الى ان بطل قصة تعويض يعمل في أرشيف تعويضات المتضررين من الاعمال الارهابية، ، وهي قصة تملك خصوصية ابداعية فيها توظيف للحوار “غالبا ما يراودني كابوس غريب.حين أجدني وقد تحولت إلى دفان في مقبرة السلام ..وأمامي طوابير من الموتى …فمن يدري ربما أتحول أنا ايضا إلى مجرد ملف وسط هذه الملفات ويعلوني الغبار(اهمال حقوق الشهداء) بل هو الفساد الذي يصل الى ملفات الشهداء (كأن يكون بين الأضابير ملف لقتيل وآخر لقاتله)

واستطرد :يخيل لي ان القاص كتب قصة الطريدةبتلقائية واستغرب قدرته في اشتراك كل القصص بثيمة الحلم! ففي قصة الطريدة يشعر البطل بالخوف وكأن احدا يلاحقه وهو الانسان البسيط الفقير لكنه جريمته هي الحلم (أنا فقط أحلم أحيانا بزمن أفضل من هذا الذي نعيشه فهل هناك قانون يعاقب من يحلم)

واكمل :ان قصة خفقة تترسخ في ذاكرة المتلقي على الرغم من صعوبتها ، نوعا آخر من الوجع البشري سببه الشيخوخة،(كان مجرد كهلا أشيب الشعر موجوع في أماكن عدة من الروح والجسد..كهلا ليس ألا) انها اللحظة العابرة التي تحدثنا عنها “لحظة مونثة جدا أوقفته..استوقفته … هي تجلس خلف المقود. هو .. صمت لم يحر جوابا..لكن اللحظة دبت فيها الروح فصرخت بصوت صم آذانه..يا الله.. لتتداع الذكريات ويتجسد الماضي وكأننا نعيش واقعا غريبا (حب وعشق مستحيل) لكننا نكتشف مع القاص بإننا (في المكان الفقاعة.. ما اجتمعا من قبل في المكان بل في غياهب بحر رقمي.لم يرها ولم تره على أرض الواقع.

 

واتم : ان في قصة الشريكان معاناة ووجع السجن الذي يلغي اسماء الايام ويختصر الوقت بمحدودية الزمان ، واصعب شيء على السجين ان يحلم بالخروج من السجن ويفشل في ذلك (سمعت سجاني يقول لولده أنه سيقدم لي هدية بمناسبة مرور عام على سجني ثم حين ابتعد ولده اقترب مني ونظر ‘لي وهمس وكأنه يتحدث إلى نفسه: اطمئن ..سأطلق سراحك) لكن المشكلة هي الخوف من الحرية وان تتعرض (صغاره ) – على القارئ ان ينتبه الى كلمة واحدة في النص تغير هيكل القصة كلها ، ضع صغارها في ذاكرتك واكمل القصة- الى الاذى فكلما هرب من السجن عاد اليه سريعا (قراري ان اغادر السجن الليلة ولا أعود أبدا) لكن السجان يعطي فرصة اتخاذا لقرار لأبنه ،والابن يغلق الباب ولا يسمح له بالخروج! في الجزء الاخير من القصة تأتي الضربة الفنية حينما يكتشف القارئ ان بطل القصة ليس انسانا (لا تلمني أيها البلبل..فأنت لم تغتنم الفرصة حين فتحت لك باب القفص. ثم مضى مبتعدا وهو يردد:لا تحزن كثيرا فحالي ليس بأفضل من حالك!

وختم :احدى عشرة قصة قدمها لنا القاص المجتهد المبدع (حسين البعقوبي) يخاطب فيها عقولنا ويحرك مشاعرنا ، يجعلنا نتمتع حتى بالحزن لقدرته على التعبير عن النفس الانسانية بصدق، قصص تنشط العقل وتجدد الطاقة ، رحلة مع الادب قد تنسى فيها الاوهام ، وتترسخ الشخصيات والمواقف والافكار في ذاكرتك والوجدان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى