المحكمة الصهيونية تمنع عرض فيلم «جنين جنين»

المراقب العراقي/ متابعة…
منعت المحكمة الصهيونية في مدينة اللد، عرض فيلم «جنين جنين» لمحمد بكري، الوثائقي الذي صور حالة المخيم وأهله بعد الاجتياح والمجزرة عام 2002. وشمل القرارُ تغريم بكري مالياً ومصادرة كل نسخ الفيلم.
القضية المستمرة منذ بدء الملاحقات السياسية والإعلامية والقضائية، عام المجزرة وإنتاج الفيلم، تتخطى فيلمَ بكري وشخصه إلى عموم الصراع مع الاحتلال، وكان بكري، هنا، في الواجهة منه سينمائياً. تجرأ وأنجز هذا الفيلم الذي مسّ، بأسلوبه وموضوعه، واحدة من الأساسيات التي بنت الصهيونية عليها خطابها الفني، سينما وأدباً.
الفيلم مبني على مقابلات مع أبناء المخيم وبناته، الناجين من المجزرة، وكان المخيم ركاماً، وفيه كلام مباشر وطازج، خارج، إن استطاع، من بين صرخات بيوت المخيم أثناء المجزرة.
كان الروائي والمسرحي الفرنسي جان جونيه من أول الداخلين إلى موقع المجزرة، وسجل في نص يتوازى جمالُ المَحكي فيه مع بشاعة المُحكي، شهادتَه عن المجزرة، وسجل صمت أهله المفجوعين: «هنا في أطلال شاتيلا، لم يعد يوجد شيء، بعض العجائز، صامتات. أغلقن على أنفسهن وراء باب عُلقت عليه خرقة بيضاء». هذا الصمت صوره بكري في فيلمه، ساحباً الكلام من فم الضحية البكماء فيه، كلام بالإيماءات والأصوات المفرغة من معانيها المعجمية، المكتومَة الممتلئة بمآسي لا تُحكى. بأحاديث الختيار والطفلة، وبملامح الأوجاع على أوجه المفجوعين، والقهر يقطر من أفواههم وعيونهم، نسمع ما أرادت المحكمة الإسرائيلية ألا يكون نسخةً أخرى، بصرية، من نص جونيه الذي كتب: «سأتحدث عن الموتى الذين كانوا آخر من رأيت يوم الأحد، حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، عندما دخل الصليب الأحمر الدولي بجرافاته. لم تكن رائحة الجثث تخرج من منزل ولا من جسد منكل به: بل كان يبدو لي أن جسدي وكياني هما اللذان يبعثان تلك الرائحة».(1) هي الرائحة التي لم يخطئها مُشاهد «جنين جنين» الرائحة المتكررة في ذاكرة الفلسطينيين، المبثوثة من المَشاهد. خلد النصُ المجزرةَ. فلا «صبرا وشاتيلا» الآن، كما نعرفها، بدون نص جونيه الذي أعطى المساحات البيضاء لحكايا الغائبين، أعطاها وصفاً أدبياً للمجزرة، وصفاً توسلَ المجازات لنقل الشهادة. حكايا الغائبين لا تعود كذلك، بكتابتها وتصويرها، لا يعود هؤلاء غائبين بهذا النص وذلك الفيلم. ضحايا المجزرتَين حاضرون بآلامهم الطازجة، وقد خلدت، الكتابةُ والتصوير، تلك الطزاجة.



