صفحات من الماضي القريب:بواكير فكرة الجمهورية في الفكر السياسي العراقي المثقفون في النجف اول من نادى بها

كان لاعلان الدستور العثماني في عام 1908 اثر بالغ في احتدام النقاش بشأن، اشكال السلطة السياسية ونظرياتها الفلسفية والاجتماعية وكان من اهمها فكرة الجمهورية . وعلى سبيل المثال لا الحصر كان السيد ناجي شوكة وهو عضو في جمعية حرس الاستقلال يملك فكرا جمهوريا ، منذ بداية السياسية والادارية ، وعد الجمهورية افضل انواع الحكم منذ ذلك الوقت . وحينما سئل ناجي شوكة عن منابعه الفكرية التي دفعته صوب الميول الجمهورية ؟ ومتى ؟كان رده انها اتته من الحركة الدستورية العثمانية عام 1908 ، حينما كان طالبا في مدرسة ( الحقوق العليا ) الا انه كان قد تأثر باراء احد اساتذته والذي يدعى (مصطفى فوزي ) الذي كان يؤمن بالنظام الجمهوري ويمتدحه وعد النظام الملكي مصيبة العرب وسبب تخلفه .
كما ان الشاعر العراقي المعروف ( معروف الرصافي ) ، كان قد دعا للجمهورية من اجل اصلاح احوال العراق وتقدمها ، وحتى في العهد العثماني ، اذ قال :
ان الحكومة وهي جمهورية كشفت عصابة قلب كل مظلل
صارت الى ذبح البلاد بسيرة ابدت لهم حق الزمان الاول
واكد حسين الرحال الذي اول من نادى بالاشتراكية في العراق انه حينما كان طالبا في مدرسة الهندسة في المانيا اواخر الحرب العالمية الاولى كان توفيق الخالدي يجتمع بالطلاب العراقيين الاخرين ويحدثهم عن الافاق المستقبلية للعراق ليس في هذا فحسب ،بل يدعوهم وباصرار الى تبني فكرة الجمهورية ، ويوضح لهم مزاياها ، ويكشف عن مساوئ الملكية ، وحينما كانوا يحدثونه عن صعوبة اتفاق العراقيين على مرشح لرئاسة الجمهورية ، كان يحاول اقناعهم بان هذه الصعوبة مؤقتة ،وان بالامكان اختيار السيد عبد الرحمن الكيلاني نقيب اشراف بغداد لهذا المنصب والذي تتفق عليه الكلمة في الوقت الحاضر بصفته اول رئيس للجمهورية وان الزمن كفيل بعد ذلك بابراز شخصيات جديرة و بهذا المركز .
نستخلص مما تقدم ان فكرة الجمهورية لم تكن غريبة عن الفكر السياسي العراقي للمدة من 1908-1917 .
امتازت مدينة النجف باشعاعاتهاالفكرية والوطنية وقد امتازت بطابعها العربي الاصيل وبجوها العلمي الروحاني فقد كانت النجف ومنذ قرون جامعة علمية دينية تخرج منها الالاف من العلماء والفقهاء والادباء الذين كانوا معينا لا ينضب للنهضة العلمية والادبية في العراق .لقد تاسست هذه الجامعة في عام 1057 م فمثلت حوزة علمية متقدمة في دراستها حتى شهدت ظهور نظام الاجتهاد اوائل القرن التاسع عشر مما جعل النجف مركز التقليد الديني الامر الذي زاد من هجرة الدارسين اليها ونشأت فيها المدارس وازدادت بمرور الزمن .
لقد خاضت النجف وابتداءا من عام 1908 صرعات سياسية واجتماعية وعسكرية متواصلة وقد ساعد على ذلك تبنتها للثورة الدستورية قبل نشر الدستوريين الايراني والعثماني وبعدهما مما ساعد على احتدام الصراع السياسي بين اقطاب علماء الدين من الدستورين والمستبدين ذلك الصراع الذي ثقف النجفيين وحرر افكارهم مما جعلها تمتاز من مدن العراق الاخرى فمثلت مركزا لحركات الاصلاح الاجتماعي والسياسي في اوائل القرن العشرين ومهدا للحركات الثورية اذ ثارت النجف بوجه السلطة العثمانية عام 1915 وهي اول ثورة عربية وتولت حكم نفسها بنفسها لمدة عامين وكان من اثار التصريح البريطاني – الفرنسي في (7تشرين الثاني 1918) ان انشغل مثقفو النجف في التفكير لانشاء حكومة عربية واختلفوا في طرحهم لشكل السلطة السياسية المراد انشاؤها في العراق وعلى الرغم من ان الفكرة الملكية كانت هي السائدة في النخبة المثقفة في النجف الا ان بعض مثقفي النجف كان قد تمسك بفكرة الجمهورية وفضلها على الملكية . واكد سعيد كال انه بعد نشرت جريدة الاعرب البيان البريطاني – الفرنسي .فقد تذاكر في وادي النجف مع احمد الصافي ،حسين كمال الدين ، وسعد صالح ،ومحمد علي كمال الدين ، واتفقوا على ضرورة الاستعداد للاستفتاء القادم الذي لابد ان يحدث في العراق عاجلا ام اجلا وعلى الرغم من ان هؤلاء قد اكدوا تمسكهم بفكرة الملكية الا انه طرحت في هذا الاجتماع فكرة الجمهورية بيد ان اغلبية الحاضرين قد ردوا عليها بالقول : “ان البلاد لا تستطيع ان تهضم الحكم الجمهوري “وحينما طرحت اسئلة الاستفتاء الثلاثة لمعرفة رأي العراقيين بشان شكل السلطة السياسية المزمع اقامتها بالعراق فقد كان لهذا الاستفتاء ايجابيات واضحةعلى عموم الفكر السياسي العراقي ، فقد ترسخت في تلك المدة بعض الاصطلاحات الحديثة في الفكر العراقي ولازمت النقاشات العامة مصطلحات مثل ( الجمهورية ) وقبل وصول ( ولسن ) الحاكم العسكري البر يطاني في العراق الى النجف لاجراء الاستفتاء بنفسه بدأت حركة سياسية وفكرية واضحة في النجف استعدادا للرد على اسئلة الاستفتاء حيث عقد زعماء النجف اجتماعا مهما في دار رضا الصافي وكان حسين كمال الدين وسعيد كمال الدين واحمد الصافي في غرفة اخرى من الدار وقد ناقشوا في هذا الاجتماع فكرة الجمهورية التي يبدو ان احدهم كان قد طرعها الا ان اغلبية المؤتمرين قد رفضوها و ردوا على القائلين بها قولهم “ان تكون الحكومة ملكية لا جمهورية لان هذه لاتصلح الا لشعب راق “وفي الاجتماع الذي ضم بعض الرؤساء والشخصيات البارزة في المجتمع وقادة الحركة الوطنية في النجف وابي صخير والشامية للمداولة في شؤون الاستفتاء فقد اقترح بعضهم الاخذ بالجمهورية فرد عليهم الشيخ عبد الواحد ال سكر معربا عن رفضه لهذه الفكرة بقوله ” لسنا اكفاء للجمهورية حتى نختار حكومة جمهورية ” واغلب الظن ان محمد عبد الحسين كان من انصار الجمهورية ودعاتها منذ عام 1920 بسبب تاثره بافكار الثورة الفرنسية وبروسو على وجه الخصوص ولا سيما ان مجلة (اللسان )حفلت بالكثير من المقالات التي تمجد الفرنسية بقلم محمد عبد الحسين .
نستخلص مما تقدم ان فكرة الجمهورية كانت متداولة بين الاوساط المثقفة غير ان سيطرة النخبة المحافظة (شيوخ عشائر ،ورجال دين ) على الشارع العراقي قد وأد الى حد بعيد تطلعات الفئة المثقفة التي كانت ترتفي النظام الجمهوري افضل السبل لبناء دولة العراق الجديدة على انقاض تحررها من الاحتلال العثماني الذي دام اربعة قرون (1534-1918 ) .
ولد طالب النقيب في عام 1871 في البصرة ويعد اجراء مرشح سعى لجر البساط من تحت قدم اي مرشح لعرش العراق بما فيهم المرشح الشريفي ،وكانت هناك جملة ظروف تؤهله لنيل هذا المنصب في مقدمتها كونه نجل نقيب اشراف البصرة الذي يرتقي نسبه الى السيد احمد الراعي الكبير صاحب الطريقة الصوفية المسماة باسمه وامتاز ببعض المزايا منها المغامرة والجرأة والاقدام ان قرابته لابي الهدى الصيادي فتحت ابواب السلطان عبد الحميد لطالب النقيب ليتبوأ مناصب مهمة . فحينما ثارت بلغاريا على الدولة العثمانية عين طالب النقيب ناظرا للجنة الاعانة الحربية لجمع تبرعات اهالي البصرة .وحين تازمت العلاقة بين السلطان عبد الحميد وعبد العزيز ال سعود توجهت اليه الانظار ليكون وسيطا بين الطرفين فرأس الوفد الذي شكل لهذا الغرض في حين كان مبارك الصباح يامل بنيل هذا الشرف وفي اثناء تمرد سعود باشا على الحكومة العثمانية وقيامه بغارات على البصرة سارع طالب النقيب بالتوسط لدى السلطان عبد الحميد الثاني فاصدر في عام 1904 امرا بالعفو عن الباشا المتمرد ونتيجة لاعماله منح رتبة (المتمايز) عام 1895 ورفع الى رتبة مير ميران ، وعين عام 1901 متصرفا للواء الاحساء وانعم عليه بالوسام العثماني من الدرجة الاولى ثم برتبة (بالا )الرفيعة الشأن، فكان العراقي الوحيد من البصرة الذي ظفر بهذه الرتبة وعارض الاتحاديين الذين سيطروا على حم الدولة العثمانية عقب الانقلاب الدستوري عام 1908 ولعل نجاحه في القضاء على فريديك قائد الدرك العثماني الذي قدم الى البصرة للقضاء عليه بالذات دفعهم الى تعيينه واليا على البصرة بين الاعوام 1913 -1914 . كان السيد طالب النقيب يطالب بالعرش تحت اي مسمى سواء جاء على شكل نظام جمهوري ام ملكي ، وعلى هذا المنوال جرت مفاوضته في المحمرة مع القنصل البريطاني في عام 1914 . كما لم يكن لديه مانع من التربع على العرش حتى اذا جاء على شكل حاكمية عامة .وعلى هذا الاساس كان بعض دعاته يطوفون في البصرة وبغداد . للحصول على تواقيع الناس على مضابط اعدت لهذا الغرض وبهذا الصدد يقول عبد العزيز القصاب :كنت ذات يوم في دار المرحوم عبد العزيز الزئبق .. فدخل علينا السيد ابراهيم الشواف واخوه قاضي البصرة المرحوم علي الشواف وبيدهما مضبطة يجمعون تواقيع وجوه الكرخ فتناولت الورقة منه وقرأتها فاذ1 هي من جانب السيد عبد الملك الشواف واخوانه المذكورين وتتضمن الطلب من الحاكم الملكي العام السير برسي كوكس تعيين السيد طالب النقيب حاكما عاما للعراق .




