كاتب يفند إختيار فيصل ملكاً العراقيون لم يختاروا أحد أنجال الشريف حسين ومضبطة كربلاء مزورة

4
فهذا هو السيد اليزدي (قده) الذي افترى عليه خصومه تلك الفريات التي لا تصمد أمام النقد السليم والتدقيق بظواهر الامور وبواطنها.
واما قضية المشروطة والاستبداد فقد بيّنا في فقرات البحث المتقدمة أن الخلاف حول المشروطة والمستبدة هو خلاف فقهي ، وهو متعلق بظرف البلد ، فالسيد اليزدي (قده) الذي كان يرفض المشروطة في ايران نجده يطالب بـ (بحكومة مستقلة إستقلالاً تاماً ناجزاً برئاسة ملك عربي مقيد بدستور ومجلس تشريعي منتخب[53]) ، فهل يقال له بعد ذلك انه كان يرفض المشروطة في العراق ! وفي المقابل نجد ان الشيخ النائيني (قده) كان من أبرز الداعين للمشروطة والّف كتابه (تنبيه الامة وتنزيه الملة) مدافعاً عن فكرة المشروطة ، في حين انه كان من القائلين بولاية الفقيه العامة[54] ! أي انه يرى أن الحكم في عصر الغيبة الكبرى هو للفقيه الجامع للشرائط وليس للشاه أو السلطان ، فكيف يمكننا فهم تلك المواقف المتعارضة في ظاهرها ؟ إن فهم تلك المواقف يكون بأن نعرف أن الفقهاء حين يقررون أن المصلحة في أمرٍ ما فإنما يلحظون المسألة من جوانبها المتعددة ، ومن تلك الجوانب الظروف السياسية المحيطة بالبلد الذي يتناولونه بالفتوى ، فحين تكون الفتوى لقضية في إيران فإنها تختلف عمّا إذا كانت تخص قضيةً في العراق ، وهكذا ، وهو الامر الذي يعسر على القوميين أو غير الاسلاميين عموماً إداركه.
والحقيقة في الخلاف بين المؤيدين للمشروطة والرافضين لها هو أن الرافضين لها كانوا يخشون من ان يتمكن أعداء الاسلام من التسلل الى البرلمان وإقرارهم لدستور وقوانين تخالف الشريعة الاسلامية. وأن يملؤوا مفاصل الدولة بأتباعهم ومؤيديهم الذين سيعملون على تعطيل العمل بالقوانين التي تكون مستمدة من الشريعة الاسلامية. وأما المؤيدون للمشروطة فقد كانوا يظنون أن وجود الدستور سوف يقلص من تفرد الملك والسلطان بالحكم دون الرجوع للشعب وإرادته ، فكان وجود الدستور والمجلس النيابي يعني المزيد من الانعتاق من التسلط الملكي على الشعب المسلم. ومن الملاحظ أنه في وجود دولة ظالمة فإن كل شيء يمكن أن يكون مزيفاً ، فالمجلس النيابي والدستور كله يمكن أن يصبح مجرد شكليات يتم تنسيقها وتوزيع الادوار فيها لكي ترضي الملكية الحاكمة ، ولعل النموذج الملكي العراقي كان خير دليل على وجود دستور ومجلس نيابي مزيف.
ولعل هذا هو السبب الذي دفع الشيخ النائيني (قده) الى الامر بجمع نسخ كتابه (تنبيه الامة وتنزيه الملة) الذي كان قد الّفه دعما للمؤيدين للمشروطة وإتلافها. بعد ان عاصر إنحراف حكم رضا بهلوي في إيران وفيصل الأول في العراق. لكي لا يستعمل كتابه في إعطاء شرعية مزيفة لمثل هذه الانظمة المستبدة.
ونقل حسن العلوي نصاً من كتاب (الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية) لوميض عمر نظمي ونصّه : (وفي آيار/مايو 1918م زار حاكم الشامية البريطانية “بلفور” السيد اليزدي الذي شكا إليه بمرارة من المحاولات التي يقوم بها بعض العلماء لجره الى موقف معاد لبريطانيا. ويقول تقرير بريطاني “أن من الصعب تقدير المساندة المتواصلة التي قدمها لنا اليزدي حق قدرها”). وبالمناسبة فإنَّ وميض عمر نظمي هو “أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد” في عهد الطاغية صدام ، ولا يتولى هذا المنصب عادةً إلا البعثيون الغارقون في الفكر العفلقي ! وبعد الاحتلال أصبح الناطق الرسمي لما يسمى بـ ” المؤتمر التأسيسي الوطني العراقي” الذي يضم في عضويته حارث الضاري وجواد الخالصي واحمد البغدادي !! فضلاً عن أنه حفيد الوزير عمر نظمي الذي أصبح وزيراً لـ (21) مرة في العهد الملكي[55] ابتداءاً من وزارة نوري السعيد بتاريخ 25 / 1 / 1938م[56] وقبل ذلك كان متصرفاً في كركوك[57] ! وأبو وميض المذكور هو جمال عمر نظمي وقد كان متصرفاً في أربيل في العهد الملكي سنة 1944م[58] ثم أصبح وزيراً في وزارة علي جودت الايوبي بتاريخ 17 / 6 / 1957م[59] ، فوميض عمر نظمي من عائلة غارقة في الولاء للنظام الملكي المقبور المعادي لثورة العشرين ولقياداتها المرجعية ، فضلاً عن كونه ينتمي للتيار القومي العدو التقليدي للمرجعية الدينية في النجف الاشرف. وميض عمر نظمي هذا يدعي إعتماداً على تقرير بريطاني ان السيد اليزدي (قده) يشكو لبلفور من ضغوط العلماء عليه ! فيا لها من مفارقة وقحة يشيعها القوميون لا يصدقها إلا من يستخف بعقله و”يستغبي” نفسه ! وحينما يقول عبد الله النفيسي بأن السيد اليزدي (قده) “بذل جهوداً كبيرة في السر لزعزعة السلطة البريطانية”[60] فإن وميض عمر نظمي يقول عنه أنه “إدعاء غير مؤكد”[61] ؟! فحينما يكون الكلام في طور الاتهام للسيد اليزدي (قده) نجد وميض عمر نظمي يتقبله ويروّج له ، وحينما يكون الكلام بضد ذلك نجد انه يرفضه ويشكك فيه ! وهو نموذج للتعامل المزدوج ضد الشيعة من بعض الباحثين !؟
وفضلاً عن ذلك فقد تفاعل السيد اليزدي (قده) مع الثوار في الحركة الثورية النجفية التي انطلقت في آذار / مارس 1918م لدرجة أن تبنى مطالبهم وأظهرها كأنها مطلبه الشخصي[62] ، فكيف بعد ذلك يقال بانه كان مسانداً للبريطانيين بصورة متواصلة كما يدعي وميض عمر نظمي ؟!!
إنها مكيدة العدو التي تريد شق صفوف المسلمين ! وقد بيّنا آنفاً كيف كان البريطانيون في العراق يضطرون للكذب فيصفون السيد اليزدي (قده) “بالمتعاون والموالي لهم” في التقارير التي يرفعونها لحكومتهم في لندن حرصاً على عدم توبيخهم أو معاقبتهم نتيجة عجزهم في تطويع المرجعية الدينية النجفية وفشلهم في إخضاعها.
علي البازركان وحسن العلوي يفتريان على السيد اليزدي (قده) :
قال حسن العلوي : (وشكا السيد محمد علي بحر العلوم زعيم ثورة النجف من موقف اليزدي هذا)[63] ويقصد الموقف المنسوب للسيد اليزدي (قده) الذي زعموا انه قال فيه : (أنا رجل لا اعرف بالسياسة وان معلوماتي منحصرة في الحلال والحرام)[64] ! وقد ذكر حسن العلوي أن ما نسبه للسيد محمد علي بحر العلوم مصدره هو (علي البزركان ، الوقائع الخفية في الثورة العراقية)[65]، وفي الحقيقة فإن اسم كتاب علي البزركان هو (الوقائع الحقيقية) وليس (الوقائع الخفية) ، على أية حال فحين راجعنا الكتاب المذكور لعلي البازركان وجدناه يتحدث عن لقاء زعمه مع السيد محمد علي بحر العلوم وحديثه معه ، فقال : (وكم كان عجبي كبيراً حينما قال لي : أما النجف والفرات الاوسط فلا تأملوا منهما عملاً ما لم يأت رجل لتوحيد أعمالهم وجمع صفوفهم ولَمَ شملهم إذ ان انسحاب السيد اليزدي قد امات الروح الوطنية وبعثر جهود العاملين وجمد اعمالهم فهم الان على غير عمل مجد) ثم ان علي البازركان أخبره بقدوم الشيخ محمد تقي الشيرازي (قده) الى كربلاء أو النجف ، ثم يذكر علي البزركان بعد ذلك بأنه بتاريخ 2 جمادي الآخر سنة 1337هـ = 15 آذار / مارس 1919م علم بقدوم الشيخ الشيرازي (قده) الى الكاظمية في طريقه الى كربلاء[66] ، وهنا تتكشف الحقائق ففي هذا الوقت الذي يزعم علي البازركان فيه أنه ألتقى بالسيد محمد علي بحر العلوم في بغداد كان السيد المذكور منفياً في المحمرة بسبب أحداث الحركة الثورية النجفية في آذار / مارس 1918م ، حيث حكم عليه بالاعدام في آيار / مايو 1918م ثم تم تخفيف الحكم الى النفي بتدخل مباشر من السيد اليزدي (قده). ولبث في المحمرة سنة وثلاثة أشهر عاد بعدها للعراق[67].
ومن جهة أخرى فإن السيد عبد الرزاق الوهاب آل طعمة ذكر في كتابه (كربلاء في التاريخ) أن الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده) قصد كربلاء المقدسة للاستقرار فيها بتاريخ 18 صفر 1336هـ[68] أي ما يوافق 4 كانون الاول / ديسمبر 1917م أي أن ذلك قد تم قبل فترة طويلة قبل زمن الحادثة التي نسبوا فيها أن السيد اليزدي (قده) قد قال ما قاله فيها ؟ وهو أيضاً ينسف صحة القصة التي ذكرها البزركان عن السيد محمد علي بحر العلوم ، لأنه في زمن حدوث تلك القصة المزعومة فقد كان الميرزا الشيرازي (قده) مستقراً في كربلاء المقدسة قبل أشهر عديدة ! فلا معنى لها حينئذٍ !
وقد ناقشنا في فقرات سابقة من هذا البحث أن هذه العبارة المنسوبة للسيد اليزدي (قده) ليس لها أصل ولم يروها مصدر معتبر بطريق موثوق !
وهكذا تتكشف أكاذيب خصوم الاسلام والمرجعيات الدينية ، وليأت بعد ذلك كتّاب قليلو خبرة في البحث التاريخي أو مغرضون ليروّجوا لتلك الاكاذيب وليرسلوها ارسال المسلّمات !!
حسن العلوي ومحمد علي كمال وكلامهما الفوضوي:
ومن شدّة تعصّب البعض ضد السيد اليزدي (قده) انهم أصبحوا لا يفقهون ما يتهمونه به ، فنجد حسن العلوي ينقل عن محمد علي كمال الدين قوله :(عندما توفي الامام كاظم اليزدي فقدت سلطة الاحتلال سنداً قومياً لها تستعين به على العوام الذين وجدوا فيه الامام المطاع. غير أن المخلصين من الرجال والمدركين خطر الاستعمار استطاعوا القضاء على نفوذه الديني بترشيح من اعتمدوا عليهم)[69]. فماذا كان يقصد بقوله (سنداً قومياً لها) ! فالسيد اليزدي (قده) لم يكن من أصول إنكليزية حتى يكون سنداً قومياً للانكليز ، ولا الانكليز هم من أصول عربية حتى يكون السيد اليزدي (قده) سنداً لهم ! وأما دعوى أن نفوذه الديني يصب في مصلحة الاستعمار فهو خطأ كبير لا يعكس عدم فهم لما حصل في تلك الحقبة التاريخية المهمة فحسب بل أيضاً نشخّصه بأنه إنكار لجهود المرجعية الدينية في الجهاد ضد الاستعمار الانكليزي ومحاولتها المستميتة في تثبيت أركان الدولة العثمانية في العراق[70] ومنع الاحتلال البريطاني من الاستيلاء عليه.




