«غيمة يتدلى منها حبلٌ سميك» أجواء شعبية في إطار غرائبي

المراقب العراقي/متابعة
بعد مجموعاتها القصصية «شخوص الكاتبة» 2011 و»سمِّه المفتاح إنْ شئت» 2016 و»جوار الماء» (2018) تصدر للكاتبة أماني سليمان مجموعتها الرابعة «غيمة يتدلى منها حبلٌ سميك» عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان 2020 في 120 صفحة وثلاث عشرة قصة، الأولى منها بالعنوان نفسه الذي اختير عنوانا للمجموعة.
والمعروف أن الكاتبة أماني تميل في قصصها القصيرة للتجريب، وتقترب من الأدب العجائبي تارة، والسرد السيريالي تارة أخرى. وفي هذه المجموعة تبتعد قليلا عن أجواء مجموعتها السابقة «جوار الماء» التي لوحظ عليها فيها الميل اللافت للتكثيف والاقتراب من النوع المعروف باسم القصة القصيرة جدا، إلا أنها في هذه القصص تفعل العكس فتميل إلى السرد الغارق في التفاصيل، بل في ما هو أكثر من التفاصيل، أعني التكرار الذي يشغل حيزا لافتا للنظر في إيقاع القصص.
فبطل القصة الأولى غيمة يتدلى منها حبلٌ سميك (ولعلها تعني غليظا فاستعملت كلمة سميك) يجد القارئ راويا يسرد حكايته باستخدام لهجة المتكلم، من بداية القصة إلى الكلمة الأخيرة. وهو لا يفتأ يكرر على مسامع الآخرين في القصة أنه يتوقع قطع رأسه بعد ثلاثة أيام لا أكثر ولا أقل. والحكاية تعود بنا إلى ما يسبق ظهور هذا الراوي – الذي يبدو عليه أنه يعاني ضربا غريبًا من الجنون – ويسبق صعوده لحافلة الركاب. فلطالما حذرته أمه من الضحك الذي سيورده مورد التهلكة، ولم يكن ليمنح نصحها هذا وتحذيرها أذنا مصغية، لكنه عندما عاد بعد الرحلة التي انتهى منها برؤية رأسه معلقا بذلك الحبل الغليظ المتدلي من الغيمة، قالت له أمه باكية « المحذور وقع.. وما حذرتك منه قد حصل» أما الآخرون: من سائق الحافلة، وسيدة المحكمة، إلى الراكب المتكَرِّش، وبائع الملابس المستعملة، وبائع السجائر المهربة، وبائع الإكسسوارات الرخيصة، إلى بائع العرق سوس والتمر الهندي والكتب القديمة والأولاد المشردين والغجري، الذي عرض عليه قلادة تجنبه الوقوع ضحية الحسد، إلى أصحاب الحوانيت بمن فيهم من هدده بالشرطة، أو بقَنَوَة.. بعد أن أدرك ما هو عليه من جنون.. كلّ هؤلاء لم يثر لديهم كلامه عن قطع رأسه رد فعل مناسب، بل الكل يكتفي بهزة من رأسه مستغربا إلا الجزار الضخم، فهو الوحيد الذي خاطبه مُعَنّفا «نسيتَ رأسك». وتشاء الصدفة المنتظرة أن يبرز هذا الجزار دون الآخرين محتضنا رأس الفتى – الراوي – وهما، أي: الرأس والجزار معلقان بذلك الحبل الغليظ المتدلي من الغيمة.
جاءت هذه القصة بما فيها من حكاية غير مكثفة، لتؤكد أن الواقع الذي ترويه واقعٌ مشوه. فالكلمات لا تعني ما يريده المتكلم، ولا ما يتسلمه منها السامع، ولا الرأس يستقر فوق الرقبة كما هي العادة.. ولا الضحك يعبر عن السرور وراحة البال، وحسن التأتي، في عالم يكتنفه الغموض، والتناقض المرعب، وعدم المبالاة. وقد جاء طول القصة معبرا عن هذا باسترسال الراوي في تكرار عباراته على مسامع الآخرين، الذين عاد فكرر ذكرهم مرة أخرى بعد عودته إلى منزله، وظهور الرأس المقطوع، والحبل السميك المتدلي. فقد أمّوا جميعا منزل الفتى مع شروق الشمس عملا بالعادة: زيارة السقيم للاطمئنان عليه.



