ثقافية

فصول

 

تمارا محمد

ليلة شتاء واحدة مُنتظرة كانت كفيلة بأن تُغيّر مجريات الأحداث، حيث بدأت تشعر أمل بأن كل شيء حولها يُشير إلى اقتراب النهاية هي التي لطالما حاولت مقاومة كل شيء والتمسّك بالضوء البعيد الذي سمعت دائماً أنه ينتظرها في آخر النفق المُظلم.

كل شيء حولها بدأ يوحي بضرورة مغادرة أرض الوطن، ابتداءً من صوت مذيع الأخبار المتقطّع وهو يقرأ أخبار نشرة الليلة، ونهايةً بالشوارع التي أصبحت تخلو من كل شيء منحها الحياة، هي التي وقفت بكل ما تملكه من قوة لمقاومة الرحيل الحتمي، رغم كل ما يُشاع حولها ويحذرها بضرورة مغادرة المكان.

تبدأ أمل بطريقة عشوائية بتحضير حقائبها ووضع ما استطاعت تذكّره، وترك ما استطاعت تركه، حيث ما زال الأمل يسكنه ويبعث في داخلها صوت (العودة) – «حتماً سأعود لن تطول فترة الرحيل» – تُخاطب أمل نفسها بصوت منكسر، لعلّ ما تركته خلفها يمنحها شيئا من الأمان، الأمان في العودة.

تستقل أمل سيارة الأُجرة للتوجه نحو الحدود، بدون أن تنسى إغلاق باب المنزل بإحكام خلفها، ومن شباك السيارة تنظر نحو الضوء المتوجه من شرفة منزلها، تبتعد شيئاً فشيئاً ويبدأ الضوء بالتلاشي. تصل الحدود تبدأ بالسير ممسكة بيديها حقائبها وقبل أن تصل الحافلة التي وقفت تنتظرها هي وغيرها ممن أجبروا على مغاردة البلاد، تنظر إلى السماء التي أصبحت الغيوم تغطيها بشكل كبير وفي تلك اللحظة يباغتها المطر بالهطول بشكل غزير وهي لا تزال مُحاولة الوقوف مكانها، صوت من بعيد يناديها ويصرخ «أنتِ هيا أسرعي الحافلة ستتحرّك الجميع في انتظارك». تستقل الحافلة تجلس على المقعد الذي أصابه البلل، بدون أن تنسى إخراج تلك المفكرة الصغيرة من جيبها مُمسكة القلم مُدوّنة تاريخ اليوم ووقت الانطلاق، تتحرّك الحافلة ولم يزل القلم بيدها والورقة التي أصابها شيء من البلل أيضاً تنتظر تدوين تاريخ العودة أيّاً كانت ساعته!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى