قصة من الوقاع .. نظرة عين … ودموع تسقط على الخدين

المراقب العراقي / خاص
الآن استيقظ ضميري، وتحرك فؤادي، وتألمت روحي، واهتزت نفسي جراء جريمة نكراء ارتكبتها بحقّ صديقة عمري، التي لا تدري حتى الآن من المجرم الذي دمر حياتها وأسرتها ومستقبلها، وأنا أعلم وحتى كتابة هذه القصة أنها تدعو عليه وفي قلبها ألم وحسرة على براءتها المذبوحة وعلى الاتهامات الظالمة التي توجه إليها، وأعلم أنها الآن تسكب الدموع الحرّى دون أن يشعر بها أحد سوى أنا، لأنني تلك المجرمة التي سببت لها كل هذه الآلام والمعاناة.
وإليكم القصة من بدايتها:
كنا صديقتين مقربتين منذ المرحلة الابتدائية، وكانت تحكي لي أسرارها وأحكي لها أسراري لم تكن أجمل مني، ولم أكن أجمل منها، كلتانا جميلتان، خفيفتا الظل، متفوّقتان، حتى المعلمات كن يحببننا، حين تأتي لزيارتي في المنزل يرحب بها أهلي، والأمر ذاته حين أزورها في منزلها يرحب أهلها بي، ومن شدة قربنا تعرف أهلي وأهلها على بعض، امتدت إلى تبادل الزيارات والاتصالات.
وبعد التخرّج، توظفنا سويًا، وفي ذات الوظيفة في إحدى المؤسسات، وفي هذه المؤسسة يوجد بها موظف شاب وسيم، أعجبت به بشدة، لكنه لم يلتفت إليّ، وإنما التفت إلى صديقتي التي لم تكن تعيره اهتمامًا في البداية، ولم تكن تعلم بإعجابي به.
ذات يوم، صارحتني بأنها تكنّ إعجابًا خاصًا لذلك الشاب، وبأن شعورًا غريبًا تشعر به تجاهه لم تشعر به من قبل، هنا أسقط في يدي، لا أعرف كيف أجيبها، وكيف أعترف لها بأنني الأخرى معجبة به، ليس إعجابًا عاديًا، وإنما يخالجه شعور غريب تمامًا كما تشعر به هي تمامًا، ثم انتبهت، وابتسمت، وغيّرت الموضوع حتى لا تلاحظ ارتباكي، في هذه اللحظة لم أشعر بالغيرة، حسبت أن هذه الأمور عادية جدًا لم تتطوّر إلى حبّ وعلاقة وزواج، لأن ذلك الشعور تشعر به كل فتاة في مثل أعمارنا.
لكن الأمور جرت على عكس ما توقّعت، فهذا الشاب أحبّ صديقتي بجنون، وبادلته هي الأخرى الشعور، هنا دبّت الغيرة في داخلي، لماذا هي، ولست أنا، هكذا سألت نفسي، هي لا تزيد عليّ في شيء، حاولت لفت انتباهه ببراءة، يبدو أنه فهم مقصدي، وقال لي بكل حزم وجدية، لن تصلي إلى هدفك، فأنا أحبّ صديقتك وأعشقها، ولا أقبل بها بديلاً، فلا تحاولي جذبي أو الاقتراب مني، ثم قال: أنت فتاة جميلة، وسوف تلتقين من يستحقك، شعرت بالحرج الشديد، اعترافه آلمني وجرحني، الأمر الذي جعلني أحقد على صديقة عمري، بتّ أكن لها كراهية شديدة، فاستغربت هي من تغيّري نحوها، حاولتْ معرفة السبب ولم تفلح، ثم جاء خبر زواجهما الذي كان بمثابة صدمة لي، فكرت بإيقاف هذا الزواج، لكن الأمر خرج من يدي، فالزواج تمّ بسرعة، وبعد عودتهما من شهر العسل، وجدتهما سعيدين، وكان الحسد يأكلني وأنا أراهما على هذه الحال من السعادة البالغة، فأصبح همي هو تدمير سعادتهما، حاولت أن أكون لطيفة ودودة مع صديقتي كما كنت سابقًا، وفي ذهني خطة جهنمية لتدميرها وتدمير سعادتها إلى الأبد، رحت أبعث رسالة وراء رسالة إلى زوجها في السيارة، وعلى عتبة الباب، توحي بأن هذه الرسائل من شاب تبث سطورها هيامًا وغرامًا وشوقًا وذكريات الحب التي كانت بيننا قبل الزواج مع عبارات خادشة، لاحظت بعد الرسالة الأولى حزنًا باديًا على وجهيهما، وجميع من في العمل لاحظوا ذلك، سألت صديقتي بخبث، ماذا جرى لكما، لم تجب، سوى دموع غزيرة تنسكب على خدها، وجدتها شاحبة، مهلهلة، وكذلك زوجها كان هذا حاله، وبعد توالي الرسائل وقع الطلاق، وتحطمت سعادتهما إلى الأبد، ذهبت إلى زيارتها في بيت أهلها، كانت محطمة تمامًا، طريحة الفراش، لا تتكلم أبدًا علمت أن أهلها علموا بأمر الرسائل، وأنه طلقها لهذا السبب، واستحلفتني أمها إن كنت على علم بعلاقتها مع صاحب الرسائل قلت لها: لا علم لي بذلك.
وبعد عودتي من زيارة صديقتي شعرت بتأنيب الضمير على الجرم الذي ارتكبته، دمرت حياتها بسببي، وهي صديقة عمري ورفيقة دربي منذ الطفولة كيف تجاهلت تلك الصداقة والعشرة التي كانت بيننا؟ لماذا تصرفت بأنانية هكذا؟
المشكلة أنني لم أجرؤ على الاعتراف لها، هذا أمر صعب علي، كما أنني أخشى ردة فعلها، وردة فعل أهلها، أعلم أنها لن تسامحني، وسأخسر صداقتها إلى الأبد، كما حطمت سعادتها وحياتها إلى الأبد، أحاول التكفير عن ذنبي بالتودد لها والوقوف بجانبها في هذه المحنة العصيبة، لكن عذاب الضمير يطاردني مهما فعلت.
إنها تعاني وأنا أعاني، الفرق أنها ضحية بريئة وأنا ظالمة، لهذا معاناتي أشد، لأن خوف الانتظار من انتقام ربّ العالمين يطاردني في كل لحظة، أما هي فسوف يعوضها الله تعالى خيرًا، وهذا ما أرجوه لها .




