رسالة مفتوحة الى الاعلامي نبيل جاسم ..الاســلام الســياسي بــين المــتاجرة والجــهل بـــه
الاستاذ الفاضل نبيل جاسم المحترم..
استمعت لتصريحك من على قناة دجلة الفضائية وانت تتهم الاسلام السياسي باعتباره سبب مآسي العراقيين جميعا . وان ما تقوم به الاحزاب الاسلامية ما هو الا نتاج لفشل تجربة الاسلام السياسي في العراق ، بل وفشل النظرية بالمطلق. لان الاحزاب الاسلامية تمثل نتاجاً لتجربة النظرية الإسلامية، كما انك توسعت في اتهامك لتشمل كل الدول التي تحكم بلدانها على وفق النظرية الاسلامية. بودي ان اتحاكم معك وفق المفاهيم المنطقية التي لا يرفضها إلا معاند أو جاهل (وحاشاك ان تكون كذلك).
أولا: دعني اجيبك بجوابين منطقيين، الأول هو الجواب النقضي والثاني هو الجواب الحلي.
أما الجواب الأول: فأقول لك اذا كان المعيار هو المصاديق الخارجية التي تحمل الشعارات سواء كانت اسلامية أو علمانية ، فيجب ان تلعن ذلك اليوم الذي وجدت فيه الديمقراطية والأحزاب العلمانية، لنفس الأسباب التي تلعن بها الأحزاب الاسلامية واليوم الذي ولدت فيه . فالدول التي تزعم انها ديمقراطية وتريد نشر الديمقراطية في منطقتنا العربية والاسلامية هي سبب البلاء والدمار الذي حل ويحل بنا، فها هي الدول الغربية وأمريكا التي تسبحون بحمدها وتقدسونها تعتاش على عذابات شعوب بكاملها ، وما يحصل في اليمن اليوم من قتل وترويع وإبادة جماعية لأناس لا يريدون سوى تطبيق الديمقراطية الأمريكية، ولكن الغرب وأمريكا (أم الديمقراطية) تدعم نظام ال سعود في حربه الباطلة ضد هذا الشعب الكريم، تصوّر (ام الديمقراطية) تدعم نظاماً متحجراً وهابياً سلفياً يبيح قتل الناس وفق مبناه التكفيري كالنظام السعودي لا يؤمن بالديمقراطية، فضلا على عدم ممارسته لها في بلده، نجد الغرب وأمريكا يدعمونه لانه يقتل شعباً تواقاً للتعبير عن حريته.
واذا قلت هذه الدول تتحرك وفق مصالحها ولا تعني بالضرورة انها النموذج للديمقراطية يكون جوابك هذا هو جوابي عن الأحزاب الإسلامية، وإنها لا تعبر بالضرورة عن الاسلام السياسي أليس كذلك ؟.
أما الجواب الثاني وهو الجواب الحلي فأقول:
ان جميع الأحزاب الاسلامية والشيعية تحديداً لم تؤمن اليوم بالاسلام السياسي، فالاسلام السياسي في العراق قُتل ونُحر في نفس اليوم الذي اغتيل وقتل قادته ومنظروه، فـ(الاسلام يقود الحياة) اغتاله البعث الصدامي في نفس اليوم الذي اغتال سيد شهداء العراق محمد باقر الصدر(قد). والثورة الاسلامية في العراق اغتيلت في نفس اليوم الذي اغتيل فيه شهيد المحراب محمد باقر الحكيم (قد)، ولم يقل أحد من قيادات الأحزاب الشيعية انه يؤمن بالاسلام السياسي، فبأي حق تتهم الاسلام السياسي الذي لم يقل به أحد ؟.
ها هي الزعامات الشيعية أغلبها ان لم نقل جميعها تقول بان العراق تعددي، فيه مكونات دينية واثنية وعرقية مختلفة، ولا يمكن تطبيق الاسلام السياسي فيه، بل أكثر من ذلك فان بعض زعامات الشيعة (الاسلامية) تستنكر وتشجب وتدين أي اعتداء على عاهر من عاهرات ملاهي ابي نؤاس، بل ان الكرادة مركز التشيّع والثورة كرادة (عارف البصري) ينام في ليلها قادة التشيّع قريري العين وهي تعج بالحانات والمراقص الليلية، بل ان القيادات الشيعية الحاكمة تصرف قروضاً بـ(50 مليون) دينار لكل بار أو حانة خمر تُفتح بشكل رسمي، فعن أي اسلام سياسي تتحدث؟.
أيها العزيز ان من يتسمّى باسم الاسلام ليس بالضرورة ان يكون متلبساً بمفاهيم وقيم الاسلام ولا اظنك لم تقرأ التاريخ الاسلامي وكم من الزعماء والخلفاء والأمراء ممن تاجروا باسم الاسلام في نهارهم يقتلون الناس، وفي ليلهم ينادمون الغلمان والجواري ويحتسون الخمر، حتى يصلوا الصبح بثماني ركعات ؟. كما ان هناك من يزعم انه علماني وديمقراطي وهو يمثل أجلى صور الدكتاتورية والشوفينية والسادية ويورث الحكم لولده وذويه.
وكنت اتصورك قد قرأت شيئاً عن النظرية الاسلامية في الحكم وبخاصة النظريات الحديثة التي نحن قد عاصرناها مثل نظريات السيد محمد باقر الصدر والإمام روح الله الخميني، ولكني لا اعتقد انك قرأتها أو ربما قرأتها لكنك تتحامل على النظرية الاسلامية الى الدرجة التي تنكر وجود نظرية سياسية أو اقتصادية في الاسلام كما تزعم من خلال قناة دجلة الفضائية، الاسلام السياسي منظومة متكاملة في أبعدها الفكرية والسياسية والاقتصادية فضلا على الفقهية، وراجع ما كتبه الإمام الصدر في هذا المجال، لتجد كيف ان هذه النظرية قد غطت كل احتياجات الانسان المعاصر في الحياة الحرة الكريمة.
الاسلام السياسي لا يقبل بعبودية غير الله، وأغلب جمهور الأحزاب الاسلامية (الحالية) في الأعم الأغلب يسبّح بحمد الزعيم ويقدسه، بل ان ما يقوله زعيم الحزب هو الحق المطلق الذي لا تشوبه شائبة وما يقوله خصمه فهو الباطل المطلق.الاسلام السياسي هو الذي يجعل القائد لا ينام الليل خوفا من ان يكون هناك جائع أو مظلوم، الاسلام السياسي هو الذي جعل علي بن ابي طالب (ع) يكتفي من طعامه بقرصيه من ثيابه بطمرية، الاسلام السياسي هو الذي جعل عليا عليه السلام يرقع ثوبه حتى استحى من راقعه، أما قولك بان الاسلام السياسي قد فشل في إيران فما كنت اظنك ناكراً للحقيقة الى هذا الحد أو جاهلا بحقيقة النظام السياسي في إيران، فمن خلال الاسلام السياسي استطاعت ايران ان تكون مستقلة بدولتها وحافظت على كرامة شعبها، واستثمرت ثروات دولتها حتى أضحت دولة تمتلك التقنيات التكنولوجية برغم ظروف الحرب والحصار المطبق عليها خلال العقود الماضية.
هذه النهضة العمرانية التي حصلت في إيران، حصلت ببركة النظرية الاسلامية في الاقتصاد، التي تزعم كما غيرك من العلمانيين يتجاهلونها أو يجهلونها، لأنكم إما غير مطلعين عليها أو تحملون حنقا وحقدا لا يسمح لكم بقبول الحقيقة الناصعة.
النموذج الايراني هو الصورة الناصعة للاسلام السياسي في القيادة والإدارة، ففي القيادة مات مفجر الثورة الاسلامية روح الله الخميني وهو لا يمتلك بيتاً يسكنه، ولم يرثه بالحكم أحد من أولاده وأقربائه.
أما قائد الثورة الاسلامية فاكتفي بذكر مثال بسيط له وقس على ذلك، فقد حضر ولده الأكبر مجتبى في اجتماع ضم قائد الثورة الاسلامية الإمام الخامنئي وأحد كبار المسؤولين في الدولة الإيرانية، وكانوا يتشاورون في أمور تهم البلد، وبعد انتهاء الاجتماع جاء وقت الغداء، فطلب قائد الثورة من ابنه مجتبى ان يذهب ليتناول الغداء في بيته، وعندما سأله المسؤول الايراني قائلا: لماذا لا تدعه يتغدى معنا اجابه قائد الثورة: انه ليس موظفا ولا مسؤولا في الدولة فبأي حق يأكل من طعام الدولة ؟.
هذا هو نموذج الاسلام السياسي .. (فبأي آلاء ربكما تكذبان).
جمعة العطواني



