،”أرى وحدتي..ولا أراني”مزج الشخصي بمعاناة المنهكين بسياط حكم الطاغية

المراقب العراقي/القسم الثقافي…
يرى الدكتور فليح كريم الركابي ان مجموعة”أرى وحدتي..ولا أراني” الشعرية هي مزج الشخصي بمعاناة الفرد الذي انهكته سياط الحاكم في المراحل المختلفة.
وقال الركابي في ورقة نقدية خص بها (المراقب العراقي): هل تحققت الرؤية … رأى الوحدة ،ولم ير رحيم زاير الغانم نفسه ؟،المشهد الشعري العراقي بعد عام 1980 طبع بطابع الحرب، والدمار الذي وقع على النفوس قبل الاجساد، فكانت كتلا من معاناة، وألم، ودماء، هدرت دون رحمة، حتى أصبحنا وقودا لنار مستعرة، وحقل تجارب لأصحاب مصانع المنتجات الحربية في العالم، يا لها من سخرية، وبؤس، يقودها من يحسبون على الوطن، وينفذون ما يريد سيدهم وأجنداته المعروفة حتى امتلأ الاناء بإفرازات غريبة، وهجينة منذ دخول الوافدين بكثرة الى بلدنا، الذين كانوا وبالا على تركيبتنا الاجتماعية، ولقمة عيشنا ،وتوالت السنوات الحربية المدمرة، والحصار على الشعب العراقي ليدخل الى مستنقع الطائفية والاثنية والمقيتتين.
واضاف: لقد رصد الشعراء هذه الظاهرة السلبية في المجتمع، فعاشوا حالة مؤلمة، واغترابا زمنيا، فانفصموا، وانفصلوا بسلوكهم، وابداعهم الفني عن المجتمع، وهذا تعبير عن الاحتجاج على تلك النتائج السلبية, وروادها من القادة الدخلاء، والمعوقين فكريا، فشعر المبدع بوحدته التي تعيش معه، وتداهمه كل حين.لقد ولد شعراء ما بعد الثمانينات في هذه الاجواء الملتهبة ذات الروائح الكريهة، فضاقت نفوسهم، واغتربت، وهاجرت بحثا عن متنفس مريح، وتلك النفوس كلها احساس، ومشاعر متدفقة لا تطيق العيش في الماء الراكد، والشاعر رسول الكلمة الحرة الشريفة كما نعلم، فمن لم يستطع هرب الى عالمه الخاص، فاغترب زمانيا بين أهله وناسه، والاخر اغترب مكانيا هربا من جور السلطة والواقع، ومن لا يقدر إبداعه.
واشار الى ان :الشاعر رحيم زاير الغانم عاصر تلك المرحلة، وأكل طحين النوى، وجور الحصار ليجد نفسه في مواجهة الاحتلال، ودخان المفخخات وشظايا الاحزمة الناسفة، فكان يرى اغترابه بعينه، وهو يبحث عن الهوية العراقية التي لوثتها الاحداث المأساوية، فكان الشعور بالوحدة طاغيا عند الشعراء، فضلا عن وحدة الغانم ووحشته في طريق الشعر تدفقت الذاتية في نصوصه المتناسلة من العنوان الرئيس، التي فرضت نفسها لأنه مازال في مقتبل الشعر، فكانت تجاربه الشخصية والادبية والفكرية متلاقحة متداخلة، وأنتجت لنا فنا إبداعيا يعبر عن هموم ومعاناة جنوب القلب الذي ولد من رحم المأساة، فطفولته هي طفولة كل أبناء الجنوب المحرومين من الفرح، بل أن الحزن يطاردهم أينما حلّوا، وأن أحلامهم البسيطة ربما لم تتحقق، فهم يرقبون الفرح، الذي لم يأت حتى أمست أمانيهم مستحيلة، لقد جسّد الشاعر صورة الطفل العراقي المحروم بدقة، وربما هو عاش الحالة نفسها، اليتم والتشرد يطارد الاطفال فكيف سيكون بناء المجتمع في المستقبل؟ هذه أسئلة ملحة ل يوجد من يقدم الاجابة عنها في مرجعياتنا كافة التي تصمت دائما لان الجواب فيه احراج كبير:
في العيد الكبير
وفي أي عيد
أحلامي مزدحمة
طفل يرقب الفرح
وكأي عيد يصغر جيبك
تتضاءل الفرص
أنام ساعات النهار،
أصحو على
صيحات الصبية المسرورة
متخيلا الملاهي وما كانوا يأكلون
أتعلم ما هي الاماني؟
قطعة حلوى !
أو قميص لم أرتده من قبل أي عيد
أو لنقل ربطة عنق
مجرد شيء جديد حتى لو يخنقني !!! ص83
هذه أمنيات بسيطة، ومؤجلة واحلام مشروعة، ولكنها لم تتحقق، الاطفال يترقبون الفرح ولو مرة واحدة في السنة، التصوير الشعري يرصد أفراح العيد على وجوه الاطفال، وهو حق مشروع، ولكن حينما يرتد الى الوراء تكون المأساة أكبر بسبب الفقر المدقع الذي ما زال مستمرا، وحطم العشرات من العوائل والنفوس، وحينما نتقدم نصطدم بالتقشف الذي شمل الفقراء والارامل والايتام فقط وهذه مفارقة، فأطفال الفقراء يحلمون بالحلوى، وبلعبة بسيطة غير متحققة، هل هكذا يكون إعداد الاجيال المستقبلية؟ أسئلة تبحث عن اجابة، الكابوس الذي أرعبنا عاد بشكل آخر، وكنا نتوقع أن تنفرج الامور، ربما نعيش ونموت بثياب البالات الرديئة، هل هذا ما كنّا نتمناه؟ سؤال مطروح على أولي أمرنا الذين جاءوا من فقر مدقع الى غنى فاحش، ولكن الاجابة مؤجلة لان الآذن فيها صمم، رحيم الغانم يرصد ويطرح من دون أن يحصل على إجابة، لذا كان وحيدا مغتربا في وطنه.
ولفت الى ان :الشاعر يبحث عن نفسه كونه أنموذجا للكثير من العراقيين الذين، أحدقت بهم الغربة، وقست عليهم الايام، حتى فقد رؤية نفسه وسط موج الاحداث المتلاطم، كلنا نبحث عن أنفسنا، لأننا خدعنا بالمظاهر الزائفة التي بدت براقة في البدء، ولكن حين أزالت الايام برقعها ظهرت حقيقتها الزائفة.
نتنفس الالم والوحدة القاتلة، والضياع، ونكون هشيما لريح عاصف، هذا هو قدرنا السيء، مثلنا مثل البعير تحمل الذهب والفضة، وكل شيء ثمين لكن علفه أشواك:
نتناثر رمادا
عند ذاك الجدار العتيق
لذكريات نحتها غريبان
تمثلا براهب دير
يواسي وحشة إله ص7
صورة المغترب تقابلها صورة الراهب في الوحشة والوحدانية والبحث عن الذات الضائعة، وهذا معادل موضوعي، الجميع ذهبت أحلامهم سدى، ولكن هناك أمل ضعيف جدا ربما ستكون هناك بعض نار خامدة، ستحدث حريقا في واقع مزيف، الشاعر يؤمن أن هناك أملا بالثورة والخلاص، فأول الحريق شرارة.
وبين ان الذاتية عند الشاعر رحيم زاير الغانم الذي يبوح بالحب، والارتباط الاسري، تتجلى وهي وسيلة للتعبير عن حنان الامومة والابوة في قصيدتيه: أوراق الآس، ونسمة الاشتياق، فالآس رمز للام الحبيبة التي تتدفق حبا، وعطرا زكيا، وعنفوانا في كل حين، الابناء في حضرة التذكر والوفاء:
سألقي من روحك قبسا
بذاك القنديل
موشحا أيامي بلمحة فرح
علّ زيتكم يُضاء
فما حيلتي لو تراكم الثلج
قرب النافذة ص10
أمنيات الشاعر متواضعة، وربما لا تتحقق، و صورة الامومة رائعة عند كل الاوفياء ،لأنها مشاعر صادقة في التعبير ،ولا سيما على لسان الابناء، فهي الاشعاع في الحياتين، ولكن ما الحيلة اذا لفّها الردى، سوف يعاني الخلف جمود الحياة ورتابتها، و أن الخمول مهيمن رئيس لان عقارب الساعة لا تعود الى الخلف أبدا، وصورة الراحل خاوية لا أمل فيها:
وسط العاصفة
غصن متيبس….خريف
أومئ للسكون كي يتقدم
ما عدتُ أهوى الهبوب
قاسية لو تفردت نسمة الاشتياق
الموت هو الخريف، والاشتياق يعصف بالنفوس ،وربما الخريف فيه أمل بعد أن ينجلي يأتي الربيع، ولكن الموت سكون ورحيل أبدي، وسكون دائم في الحياة الدنيا.
وختم : ان الشاعر يصور الاحداث التي ألمّت به لينطلق الى الأرحب ،وهو المجتمع، وقد مزج الشخصي بمعاناة الفرد الذي انهكته سياط الحاكم في المراحل المختلفة ولقد كان الحقل عند الغانم مزهرا بالذاتية والوجد، وسيكون بيدرا لاسيما أن هذه التجارب ستكون منطلقا الى مرحلة مخضرة في المستقبل، وهو يبوح بما أثقلت به نفسه, ربما في المستقبل سيكون القطاف جنيّا، وتتحقق الرؤية والرؤيا.
الشاعر من جيل ما بعد الاحتلال وهذا الجيل مثقل بهموم كثيرة وعليه مسؤولية جسيمة في التصدي للمحاولات المشبوهة على الرغم من أن القادة يحكمون بسلطة القوة، وتغليب المصلحة الشخصية.



