ثلاث اعتِرافاتُ لضَمِيرٍ: ميَّادة مهنَّا سليمان/ سورية
1
لَمْ أَكُنْ أَنوِي النَّومَ بِعُمقٍ، لَكِنَّ صاحبِي زَجَرَني لَمَّا صَرَختُ بِهِ: حَرامٌ عليكَ!
تمَلمَلتُ في سَريرِ الأفكارِ، وأنا أتألَّمُ عَلى أولئِكَ الأطفالِ:
– ما ذنبُهُم؟
لكِنَّ صاحِبي سَمِعني، فصرَخَ قائِلًا بِحِقدٍ:
– فَليَموتوا، وليُحرَم آباؤهُم منهُم، كما حُرِمتُ من الأبناءِ، هَيَّا نَمْ، وأَرِحنِي مِنْ نَقِّكَ!
صباحَ اليومِ التَّالي، صَحَوتُ على صوتِ قهقهتِهِ، وهوَ يعُدُّ الأموالَ المُكدَّسَةَ أمامَهُ، في حينِ مزَّقَتْ سَمْعي صَرَخاتٌ مَوجوعةٌ لأُمَّهاتٍ تمزَّقَتْ أحشَاءُ أبنائِهم مِن صَفقةِ الحَليبِ الفَاسدِ الَّتي سَمحَ صَاحبي المُتَنفِّذُ بِدُخولِها البَلدَ!
٢-
نعَتُّها بأقسى النُّعوتِ، وأنا أرجوهَا أنْ ترأفَ بذلكَ الطِّفلِ الَّذي لم يتجاوزْ بعدُ عامَهُ الخامسَ:
– إنَّهُ يتيمُ الأُمِّ، ترفَّقي بهِ، أرجوكِ!
ثُمَّ أخبِريني، أيستحِقُّ أنْ يُترَكَ على الشُّرفةِ في هذا الجوِّ المُثلجِ فقط لأنَّهُ -غيرُ عامدٍ- كسرَ تلكَ الآنيةَ الزُّجاجيَّةَ، تخيَّلي ابنتَكِ الصَّغيرةَ مكانَهُ، أتهونُ عليكِ؟
– كفى، كفى، كفى!
لقدْ صدَّعْتَ رأسي بصوتِكَ المُزعِجِ، كم مرَّةً أوصيتُكَ ألَّا تأخُذَ دورَ الوَاعِظِ يا ضميري حينَ أُعاقِبُ هذا الشَّيطانَ؟
– لكنَّهُ ملاكٌ صغيرٌ، أرجوكِ سامحيهِ هذه المرَّةَ فقط!
آهٍ ما أقساها، رفستهُ إلى الشُّرفةِ قائلةً:
– ابقَ هُنا، حتَّى يجيءَ أبوكَ.
بعدَ قليلٍ اتَّصلَ الأبُ مُعتذرًا عن الوصولِ إلى دمشقَ، فالصَّفقةُ لمْ ينتهِ إبرامُ عقدِها الليلةَ، وعليهِ أنْ يبقى ليلةً أُخرى في القاهرةِ حتَّى يُنهيَ أعمالَهُ التِّجاريَّةِ.
لمْ يُحزِنها الأمرُ كثيرًا، على الفورِ اتَّصلَتْ بِأصدِقائِها تُعلِمُهم أنَّها ستُمضي ليلةَ رأسِ السَّنةِ عندَهُم.
مضتْ تاركةً اليتيمَ على الشُّرفةِ، كلُّ صُراخي لِأجلِهِ لمْ يُجدِ نفعًا، نهرَتْني بِشِدَّةٍ، وقالتْ: لنْ أتأخَّرَ، بِضعُ ساعاتٍ، وأعودَ، وبعدَها فقط أُدخِلُهُ المنزِلَ، كي يتلقَّنَ درسًا قاسيًا على فِعلتِهِ!
أمضتِ السَّهرةَ، وهيَ تُدخِّنُ، وتُعربِدُ، حتَّى ثمِلَتْ.
أعترفُ ليلتَها بِأنِّي جَبُنتُ أن أُعيدَ الكَرَّةَ، وأوقِظَها علَّها تعودُ باكرًا من أجلِ الصَّبيِّ، فقدْ سَئِمتُ توبيخَها لي، لذلكَ نِمتُ بِعُمقٍ حتَّى صحوتُ ظُهرَ اليومِ التَّالي على صُراخِها، وهيَ في منزِلِها؛ لقدْ ماتَ الطِّفلُ اليتيمُ مُتجمِّدًا منَ البردِ، فيما كانتْ مُستمتِعةً بِسَهرتِها المَاجِنةِ، حِينَ ذَكَّرتُها بِما ينتظِرُها إزاءَ جريمتِها، وهمستُ لها شامِتًا: هَل عاقبتِهِ، هل طِبتِ نفسًا الآنَ؟
صرَخِتْ بِفُجورٍ، وأُصِيبَتْ بِانهيارٍ عصبيٍّ شديدٍ.
3
ضِقتُ ذرعًا بِرأسِ ذلكَ القذرِ!
وَدِدتُ لو أستطيعُ الخروجَ من جدرانِ أفكارِهِ العفنةِ.
تعِبتُ..تعِبتُ من توسُّلاتي، فنمتُ مستسلمًا لدناءتِهِ.
صباحَ اليومِ التَّالي كانتِ النَّاسُ مذعورةً مِن هَولِ مجزرةٍ، والكلُّ يدعو على مُرتكبِها بحسرةٍ وقهرٍ.
حينَ رأيتُ أطفالَ الرَّوضةِ، وقد تناثرَتْ أجسادُهُمُ الطَّريَّةُ، تمنَّيتُ لو يموتُ هذا الوحشُ أبشعَ مِيتَةٍ،وأُرحَمُ مِن عذابِ السَّجْنِ في رأسِهِ المملوءِ بالطَّائِفيَّةِ والتَّعصُّبِ الأعمى، وقذارةِ التَّعاليمِ الوهَّابيَّةِ.
صَمَتُّ هُنيهةً، لم أعدْ أحتمِلُ، انفجرتُ صارخًة:
– أمسرورٌ حقًّا؟
أمُبتَهِجٌ برؤيةِ دمائهِمِ الزَّكِيَّةِ؟ أمستمتعٌ برائحةِ الموتِ؟أشفَيتَ غليلَكَ من آبائِهِم، وأمَّهاتِهِم؟
انتظرتُ ردًّا، كلمةً، صراخًا، أوحتَّى توبيخًا، لكنَّهُ حدَجني باستِهتارٍ، وهُزءٍ؛ لقد كانَ ثمِلًا، محقونًا بأفكارَ سوداويَّةٍ، حجبتْ شُعاعَ كلِّ شَمسِ نقاءٍ في روحِهِ.



