عواد علي: الحروب والكوارث ومؤامرات الخارج تدفعني إلى الكتابة عن العراق

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
منذ عام 1981 نشر أول قصة حملت عنوان (الطوابق الخمسة) لتتلاحق محاولاته ولتتنوع وتتعدد وتتفرع ليلج الرواية والنقد والصحافة وقبلها المسرح الذي عشقه وتدرج فيه وصار استاذاً.. عواد علي أستاذ فنون مسرحية في معهد الفنون الجميلة في الموصل وكلية الفنون في جامعة بابل.. كتب عشرة كتب نقدية في المسرح، نشرت واحدة منها فقط هي ” اصوات الغابة” في مجلة الجديد 2016 مثلما اصدر خمسة كتب نقدية في المسرح وعمل في الصحافة قبل خروجه من العراق وبعد استقراره في الأردن.
انه القاص والروائي عواد علي الذي التقته (المراقب العراقي) في حوار مفتوح وقد خرجت بهذه المحصلة.
ما بين الأدب والصحافة والفن.. أي الخطوات التي قادتك أولاً الى مسار الحياة؟
لنقلب السؤال بطريقة أخرى لكي أجيب، بأن الحياة المتعددة الأوجه والمشارب هي التي أغرتني بأن أنوّع اهتماماتي وأوزعها بين الأدب والفن والصحافة، فقد وجدت نفسي في عمرٍ مبكّر أهوى المسرح، وأشارك في التمثيل مع أصدقائي في المرحلة الابتدائية، واستمر هذا الولع في المراحل الدراسية اللاحقة. ورغم أن مستواي في التمثيل، كما اكتشفت لاحقاً، كان متوسطاً، فقد كان المخرجون في كركوك يسندون لي أدواراً رئيسةً أيام الدراسة الثانوية منتصف السبعينات، لا أعرف لماذا، ربما بسبب حماستي وقدرتي على الحفظ أسرع من الآخرين، أو لإجادتي اللغة العربية وعدم اللحن فيها، حيث كان معظم الممثلين من جيلي ينحدر من قوميات أخرى في المدينة. وفي الوقت ذاته، وبسبب قراءاتي المبكرة للأدب، كنت أكتب نصوصاً شعريةً وقصصيةً ومقالات نقديةً، نشرت بعضها في مجلة الطليعة الأدبية. وحين شعرت بأنني لست موهوباً في التمثيل، على النحو الذي يدعوني إلى الاستمرار فيه، نما لديّ اهتمام بالنقد المسرحي في السنة الأخيرة من الدراسة الثانوية، لذلك دخلت كلية الفنون الجميلة بهدف أن أكون ناقداً، وهذا ما حدث. وخلال الدراسة الجامعية بدأت أمارس العمل الصحفي . وبعد انقطاع دام بضع سنوات عدت إلى كتابة القصة القصيرة. بالطبع كنت أحلم بكتابة الرواية لكني تهيبت من هذه المغامرة اعتقاداً مني بأن الرواية لا تُكتب إلا في مرحلة نضج أدبي ومعرفي وخوض تجارب حياتية، بما فيها السفر والاختلاط مع أصناف مختلفة من البشر. لذلك لم أجرؤ على كتابتها إلاّ عندما تجاوزت الأربعين وأنا في كندا. وينطبق الأمر أيضاً على كتابة النصوص المسرحية، فلم أقترب منها إلاّ في سن الخمسين.
* حين كنتَ استاذاً في كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل كان المسرح همّك الأول، وبعد المغادرة صار الهم سرداً ومتابعة للفن والمسرح خصوصاً.. هل هناك توق للحرم الذي يمنح الفن ألقه؟ أم هي مرحلة وانتهت؟
– المسرح لا يزال يحتل حيزاً كبيراً من همّي أو اهتمامي. قبل مغادرتي العراق أواخر عام 1994، بسبب كارثة الحصار، كنت قد نشرت كتاباً واحداً في النقد المسرحي هو “المألوف واللامألوف في المسرح العراقي” (1988)، ثم نشرت تسعة كتب بين عامي 1996 و2016، وشاركت ناقداً وباحثاً ومحكماً في عشرات المهرجانات المسرحية العربية والدولية. لكني لا أخفيك بأنني بدأت أشعر منذ بضع سنوات بأن صوت الناقد المسرحي، أو جهده ضائع في الثقافة العربية، رغم اعتماد جل الباحثين المسرحيين في الجامعات عليه في إعداد رسائلهم وأطروحاتهم. ولذلك فترت حماستي للنقد المسرحي التطبيقي، وصرت أميل إلى كتابة الأبحاث المسرحية والمقالات النظرية. مقابل ذلك اشتدت حماستي للكتابة السردية فكتبت ونشرت خمس روايات حتى الآن.
* منذ خروجك من العراق وانت تكتب عنه.. هل المحنة أو الغربة التي تصنع المحنة أثر على تكوين الشخصية الجديدة لعواد علي أم أن الحالة طبيعية ولا فرق بين المخيلة في هذا المكان أو ذلك؟
– لا علاقة للأمر بالغربة، إنها المحنة يا صديقي، محنة بلد بحجم العراق ومكانته التاريخية والحضارية، فكيف لا أكتب عنه وأنا مجبول من طينته ومائه وثقافته؟ أليس ما أصابه من كوارث طوال أربعة عقود بسبب حماقات حكّامه، ومؤامرات الخارج عليه كفيلاً بهز وجدان كتّابه وضمائرهم ودفعهم إلى الكتابة عن مآسيه ومحنه وتحولاته؟ لذلك ظل العراق فضاءً وهمّاً في أغلب نصوص الكتّاب العراقيين المغتربين. وعلى الصعيد العالمي تجد أن معظم الكتّاب الذين غادروا أوطانهم لم يبارحوها في أعمالهم الإبداعية، خذ ماركيز مثلاً، فقد ظلت كولومبيا محوراً في جميع رواياته وقصصه التي كتبها في نيويورك وباريس ومكسيكو. كذلك الطاهر بن جلون الذي تجري أحداث رواياته في طنجة والدار البيضاء وفاس ومدن وقرى مغربية أخرى رغم أنه فرانكفوني يعيش في فرنسا.
في رواياتك نجد أنك تبحث في داخل الحكاية عن حكمة مفقودة أو عن موضوعة تريد توصيلها يحيطها دوماً شيء من الضياع أو الإخفاء.. هل هي محاولة لاكتمال نقص المكان أو أن استثمار الأشياء يتيح للمخيلة الاتكاء على ما مفقود ومحاولة إظهاره؟.
لم تعد الرواية حكاية أو سرد أحداث فقط، رغم أهمية هذين العنصرين ومركزيتهما في السرد الروائي، بل أصبحت عالماً يحتضن كل شيء، التاريخ والأسطورة والحكمة والفلسفة والمهمش المسكوت عنه والصراعات على اختلاف أنواعها، بشرط أن يجري استثمارها بمهارة ووعي لكي لا تكون مقحمةً أو جزراً عائمة في بحر النص. وأنا بالفعل أتعمد البحث عن حكمة مفقودة أو موضوعة أحاول إخفاءها لأثري الرواية وأشد القارئ، أو أعاكس أفق انتظاره ليستمتع ويشاركني في التأويل. وللمخيلة في ذلك دور حاسم بالتأكيد.



