اراء

كيف يكون مرشح رئاسة الوزراء مقبولا ً شعبيا ؟

بقلم/ علي المؤمن

تعديل القوانین والدستور وإصلاح النظام الساسي وإجراء الانتخابات العامة المبكرة في العراق، لاتتم إطلاقاً دون وجود حكومة انتقالية مؤقتة  يختارھا البرلمان الحالي. والبرلمان لايعمل إلا بالسیاقات الدستورية والقوانین النافدة. أي أن ترشیح رئیس وزراء جديد يترأس الحكومة  الإنتقالیة المؤقتة ويمھد للانتخابات المبكرة، لا يمكن إلا أن يكون وفق السیاقات الدستورية، والمتمثلة في توافق الكتل السیاسیة  البرلمانیة الحالیة، شئنا أم أبینا. أي أن إرادة الشعب لاتنتج سلطة من وھم ومن شعارات غیر واقعیة. بل تنتجھا عبر آليات عملیة قابلة للتحقق.

إسقاط سلطة الشعب بالتالي؛ فإن إسقاط سلطة البرلمان يعني إسقاء سلطة الشعب التشريعية الرسمیة المنتخبة انتخاباً مباشرا  مايعني استحالة تشكیل حكومة انتقالیة مؤقتة، وعدم وجود حكومة انتقالیة مؤقتة، يعني عدم إجراء انتخابات مبكرة، و عدم إجراء

انتخابات مبكرة تمثل التوجھات الجديدة الإصلاحیة التغیيرية للناخب والمتظاھر، يعني عدم إنتاج حكومة جديدة قادمة تمثل إرادة الشعب.

إسقاط سلطة البرلمان الحالي ومنع السیاقات الدستورية النافدة من تشكیل حكومة مؤقتة تحضر لانتخابات مبكرة، يعني أن الحكومة الحالیة ستبقى لتصريف الأعمال الى ما لانھاية، وذلك لمنع فراغ السلطة، وسیتم ذلك بطلب من الأمم المتحدة والمرجعیة وحكماء البلاد،

لأنھم لن يسمحوا بانھیار السلطة وانھیار النظام العام.

أما ما يمكن تحقیقه لإصلاح النظام السیاسي ومحاربة الفساد وإعادة بناء الدولة، فھو لیس صعباً، لكنه بحاجة الى ترك فوضى الشعارات  بترشیح رئیس للحكومة المؤقتة الإنتقالیة، وفق السیاقات الدستورية والقانونیة النافذة.

السلوك والخطاب الشعبوي، يبدأ تحديدا  عن فوضى الشعارات والخطاب الشعبوي غیر الواقعي، فإن اتفاق الشعب على شخصیة رئیس الوزراء العراقي المؤقت، بحاجة الى

استفتاء شعبي حیادي رسمي، و ھذا الإستفتاء بحاجة الى قانون خاص يشرعه مجلس النواب، فضلاً عن الحاجة الى تعديل دستوري ً، وموانع سیاسیة وقانونیة وعملیة كثیرة يسبقه. وكل ھذا يستغرق وقتاً طويلاً جدا ربما ھناك من يقول بأن مرشح التظاھرات ھو من سیكون مقبولاً شعبیاً. وھذا القول غیر واقعي أيضاً؛ لأن ھناك إرادات متعددة داخل

التظاھرات، ولايمكن أن يكون مرشح أحدى الإرادات مرشحاً لكل المتظاھرين بل لاتستطیع أية إرادة داخل التظاھرات أن تدعي أن مرشحھا يمثل أغلبیة المتظاھرين؛ لأن ھذا الإدعاء يتطلب استفتاء حیادياً أيضاً، وھو أمر غیر ممكن عملیاً وإذا افترضنا جدلاً أن قیادات التظاھرات أجمعت على مرشح محدد، فماذا عن فئات الشعب العريضة الأخرى غیر المشتركة في التظاھرات،والتي تمتلك إرادات سیاسیة مختلفة، ولديھا مرشحون آخرون؟.

صحیح أن أغلبیة الشعب العراقي مع مطالب الإصلاح والتغییر التي تطرحھا التظاھرات، ولكن موضوع ترشیح شخصیة لرئاسة الوزراء أمر مختلف تماماً عن المطالب الشعبیة العامة؛ لأنه موضوع خاص وخاضع للإرادات السیاسیة المتنوعة للمتظاھرين والقیادات الأصلیة التي تقف وراءهم، وللرؤى السیاسیة لباقي فئات الشعب. وجمیعھا إرادات محترمة، سواء كانت من داخل التظاھرات أو من خارجھا، ويجب أخذھا في الإعتبار.

صحیح أيضاً أن الشعب ھو صانع التغییر وھو مصدر السلطات وھو صاحب شرعیة الدستور ولكن؛ من ھو الشعب؟ ومن الذي يمثل الشعب؟

ومن يمتلك الحق في التعبیر عن إرادة الشعب؟ ھنا تقول الديمقراطیة، إن المقصود بالشعب ھو أكثريته، أي أكثرية الشعب التي تفرزھا آلیات معروفة تتمثل في الإستفتاء أو الإنتخاب.

لذلك، لايمكن لقیادات التظاھرات أن تحصر في نفسھا حق تمثیل الشعب ربما تستطیع ھذه القیادات التعبیر عن إرادة المتظاھرين؛ لكنھا لا تستطیع أن تكون ممثلة للشعب، ولا يمكن أن تفرض خیاراتھا ورغباتھا وإرادتھا على ٣٧ ملیون عراقي.

 فمن خوّلھا تمثیل الشعب؟ ومن اختارھا؟ و كیف؟ ومتى؟. نعم ھي تمثل فئة كبیرة من فئات الشعب، و لھا كل الحق في تصدر جمھورھا وفي التعبیر عن إرادته، لكنھا تبقى فئة، ولیست كل الشعب.

و من بديھیات مبادئ الديمقراطية أنھا لا تسمح بتاتاً ّ بأن تفرض أية فئة من فئات الشعب رأيھا على الفئات الأخرى، وإلا مثّل ھذا الفرض قھرا ً لشرعیة فرض المتظاھر خیاراته على الآخرين.

لإرادة الآخرين لوناً آخر من ألوان الإستبداد والدكتاتورية؛ لأن التظاھر ضد السلطة لايعد مصدرا لكن؛ لنفترض جدلاً أن الشعب وجد مرشحاً مقبولاً لدى جمیع فئاته، رغم استحالة تحقق ذلك، فعلى أساس أية مادة دستورية أو قانونیة سیكلف رئیس الجمھورية ھذا المرشح؟. ولو كلّفه الرئیس، فمن سیصوت علیه وعلى أعضاء حكومته؟لاشك أن البرلمان ھو صاحب الحق الحصري في التصويت على ھذا المرشح، ومنحه الشرعیة، بصرف النظر عن رأينا بالبرلمانیین الحالیین،فاسدين كانوا أو صالحین.

ھذا البرلمان يتكون من كتل و أحزاب، وشیعة وسنة وكرد. فھل يمكن إجبار ھؤلاء على التصويت لمرشح مفروض علیھم؟ أو مرشح يمثل فئة من الشعب دون غیرھا، أو إرادة سیاسیة معینة دون غیرھا؟

قد يقول قائل بأن قوة التظاھرات أو السلاح أو الفوضى المصطنعة واتساع دائرة العنف، ستجبر رئیس الجمھورية على تكلیف ھذا المرشح،كما تجبر الكتل على التصويت له ولحكومته. إلا أن ھذا الفعل لايمت الى الديمقراطیة بصلة؛ بل ھو استبداد سیاسي مسلح، ولايمكن أن يحقق أھدافه.

 وكما أن التظاھرات تبشر بالحريات والديمقراطيات والبناء الصحيح للدولة، وترفض سلوكیات أصحاب السلطة، فإن علیھا أن تبیّن ذلك عملیاً من خلال عدم فرض إرادتھا بالقوة وبالتعطیل على باقي فئات الشعب.

 أضف الى ذلك أن ھذه الكتل البرلمانیة، سواء كانت شیعیة أو سنیة أو كردية، لديھا جمھورھا، بل أن بعضھا لديه فصائل مسلحة قوية. وحین يحمي الوطیس، فإن القوى السیاسیة والفصائل المسلحة ستواجه أصحاب الأجندات الإنقلابیة بكل الوسائل، بعد أن تستنفر ماتملك من نفوذ وإمكانات وجمھور أيضاً، لتدخل الساحة بقوة أكبر.

 بالتالي؛ ستندلع حرب أھلیة دموية مرعبة لا تبقي ولاتذر، وستنھار السلطة والدولة، وسیتفكك النظام العام. وإذا ما أدى انھیار السلطة الى تدخل عسكري إقلیمي ودولي، فإن الصدامات الحالیة بین أتباع الإرادات المحلیة والإقلیمیة والدولیة المتعارضة، ستتحول الى صراعات ّ مسلحة تسعِر الحرب الأھلیة، لأن الواقع العراقي تتحكم فیه إرادات كبیرة وكثیرة، ولن تترك أيا من ھذه الإرادات الأمور لخصومھا لتستفرد بالعراق ومقدراته.

 ولتجنب الشعارات غیر الواقعیة بشأن مرشح رئاسة الوزراء، و الانقلاب على السیاقات القانونیة، والحرب الأھلیة، لابد من الإذعان مؤقتاً للسیاقات النافدة، والصبر على الفترة الإنتقالیة، وھي لیست طويلة. وبعد أن تتشكل الحكومة المؤقتة الإنتقالیة، يمكن الدفع باتجاه الإسراع في إجراء إنتخابات مبكرة نزيھة، وفق قانون انتخابات جديد، ومفوضیة انتخابات خاضعة للقضاء، وقانون أحزاب جديد، ودستور معدل، ونظام سیاسي رصین، بعیدا عن أعراف المحاصصة التوافقیة، ومسارب الفساد والفشل والشلل.

استثنائیاً؛ لتفرز نواباً جدد، ولیستعد الجمیع للانتخابات المبكرة القادمة، ويحشدوا جماھیرھم وشعاراتهم وأدواتهم وإمكاناتهم تحشيدا يعبِّرون حقاً عن إرادة الشعب، ورئیس جمھورية جديد ورئیس وزراء جديد ورئیس مجلس نواب جديد، مقبولین شعبیاً وفق المعايیر

الديمقراطیة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى