الانتفاضة حولت “المأساوي” إلى بطولي في الادب الفلسطيني

المراقب العراقي/ متابعة…
إن التجربة الفلسطينية الحديثة قاسية لا ترحم، ولا تترك ناحية من نواحي الحياة دون التدخّل في أعمق أعماقها، وليس هنالك من فلسطيني يفلت من قبضتها، أو من كاتب يستطيع تفاديها. وهي تجربة لا يمكن نسيانها، كما لا يمكن تجاوز لوعتها.
ان أعظم نضال خاضه الكتّاب الفلسطينيون وأعظم انتصار حقّقوه، هو رفضهم أن يكونوا ضحايا الإنسانية الخانعين في النصف الثاني من القرن العشرين. ومع أنهم لم يتوقّفوا أبداً عن الإحساس بالمعضلة التي يحياها شعبهم، فإنهم يبدون من قوة التحمّل ما يعلو على المأساة ويتجاوز الضرورة. وهذا ما لوّن الأدب الفلسطيني المعاصر وحدّد وجهته ولهجته.
لقد حوّلت ثورة الحجارة التي بدأت في كانون الأول سنة 1987 واستمرت لسنوات، ما هو مأساوي إلى ما هو بطولي، وسعت إلى تأكيد كرامتها في العالم، فغيّرت بذلك نظرة الآخرين إلى القضية الفلسطينية، وظهرت لغة جديدة يتحدّث بها الناس للمرّة الأولى بدت معها المزايدات السلبية عديمة الحول والقُوّة تماماً، وتبيّن للملايين في العالم أجمع أنهم هنا إزاء شعب يرفض الذلّ والهوان. ذلك أن الانتفاضة، التي سرعان ما باركها الفلسطينيون في المنفى سواء انتموا إلى منظمة التحرير الفلسطينية أم لم ينتموا، كانت ثورة عفوية انبثقت من قلب المأساة نفسها ومن ضمير الشعب الحي – كانت ثورة مسّت شغاف القلوب، وامتلأت بالقدرة على التضحية بالنفس، وخاطبت أعماق الضمير، حتّى كادت تكون شاعرية.
رغم الحدود المفروضة على الكتّاب الفلسطينيين من حيث الموضوعات – لكن ظهرت مادة غنيّة للأدب في الوضع الراهن للأزمة الفلسطينية فالنكبة الفلسطينية تحمل في طيّاتها مواقف كثيرة يمكن أن تتحول إلى رؤية مأساوية من ناحية، ورؤية بطولية من ناحية أخرى لمواقف المقاومة والأمل والإيمان بانتصار العدالة في النهاية. وما أكثر المواقف التي هي من هذا النوع، والتي تصلح للتناول الأدبي: الموت المجاني للضحايا والأبرياء؛ الموت الذي يسعى إليه الأبطال وهم في ريعان الشباب؛ المحاولات الدؤوب التي يصيبها الفشل؛ الاقتلاع الذي لا ينتهي من الجذور؛ المذلة التي يعانيها المهجّرون الفلسطينيون بتزايد مستمر في بقية أنحاء العالم العربي غير أن هذه الروح تمرّدت على محنتها من خلال الانتفاضة، وهي الثورة غير المسلّحة التي قام بها آلاف الأطفال والشباب الفلسطينيين الذي صمّموا على النضال من أجل الحرية، مواصلين بذلك ما يقرب من قرن الصراع والمقاومة اللذين خاضهما الفلسطينيون ضد الاستعمار المنظّم .



