الاخيرةالنسخة الرقمية

الحياة تعود إلى دودة الحرير في سوريا

صناعة وإنتاج الحرير الطبيعي في سوريا مهنتان موروثتان طرأت عليهما تغييرات أدت إلى تراجعهما مع ظهور الحرير الصناعي الذي غزا الأسواق وأصبح منافسا قويا للحرير الطبيعي، فضلا عن القطع الجائر لأشجار التوت التي تعد ّمصدر الغذاء الرئيس لليرقة ولاسيما في مناطق الساحل السوري، لذلك تحاول وزارة الزراعة توسيع المساحات المزروعة بأشجار التوت ودعم مربي دودة القز بهدف عودة إنتاج الحرير من جديد.

في منطقة مصياف، أقامت مديرية سياحة محافظة حماة مؤخرا مهرجان التراث السوري احتفالا برأس السنة السورية (إكيتو)، وتضمنت فعاليات المهرجان معرضا للصناعات التقليدية المحلية شمل الحرير الطبيعي ومراحل إنتاجه وصناعته وحياكة الصنارة والصوف والتطريز.
ويعدّ إكيتو أقدم تقويم عرفته الحضارة الإنسانية ويسبق التقويم الفرعوني بخمسمئة عام، والأول من شهر نيسان هو بداية السنة نظرا لعودة الحياة في فصل الربيع إلى الأرض وإيذانا بقرب موسم الحصاد.
قرية دير ماما في منطقة مصياف من محافظة حماة تعدّ مركزا للحرير الطبيعي، حيث حافظت نساؤها رغم قلتهن على مهنة صناعة الحرير الذي وصلت شهرته إلى خارج حدود سوريا، وبات علامة فارقة في المشغولات اليدوية السورية لزمن طويل.
والمناخ المتوفر في قرية دير ماما يساعد على تهيئة البيئة اللازمة لتربية دودة الحرير من مراحل نشأتها الأولى حتى الوصول إلى مرحلة غزل الخيوط، كما أن الخبرة المتوفرة لدى سيدات المنطقة ساعدت على الحفاظ على هذه الصناعة المهددة بالانقراض.
من الدودة إلى الخيط
دودة القز هي يرقة من أنواع مختلفة من فراشات الحرير، ويوجد في فمها زوج من الغدد اللعابية المسماة غدد الحرير، وهي تقوم بإفراز سائل صاف لزج يتصلب عند ملامسته للهواء.
وتبدو دودة القز عادة بيضاء اللون مائلة إلى الصفرة وتتغذى على أوراق نبات التوت ذي الثمار البيضاء وتنتج هذه الدودة التي تعيش على أوراق التوت أجود أنواع الحرير.
وعن مراحل صناعة الحرير، قالت يسرا عيد إحدى السيدات اللواتي احترفن تربية دودة القز وحياكة الحرير لوكالة الأنباء السورية (سانا)، إن تربية دودة القز، تبدأ من بذور الشرانق الصغيرة التي تتغذى على ورق التوت لمدة أسبوع، حيث توضع الشرانق في غرفة نظيفة معقمة ومطلية، إضافة إلى المحافظة على درجة حرارة الغرفة التي لا تزيد عن 28 درجة، ونسبة رطوبة لا تقل عن 65 بالمئة.
وأكدت عيد، أن “حدوث أي خلل في هذين المعدلين يؤدي إلى خسارة الشرانق، وأما غذاء دودة القز، ففي الأسبوع الأول يقدم ورق التوت مفروما بشكل ناعم، ليتسنى للشرانق تناوله، وفي الأسابيع التالية نزيد حجم فرم الورق، لأن الدودة تكبر تدريجيا، ويصبح بإمكانها تناوله بحجم وبكميات أكبر، وتبدأ مدة تربية الشرانق بداية من العاشر من شهر نيسان، وتحتاج من أربعين إلى خمسين يوما، لتصبح دودة كبيرة جاهزة للإنتاج وتحمل هذه الشرانق تسميات مختلفة خلال مراحل حياتها مثل الخضرة والمقشة والحمرا”.
وأشارت عيد، إلى أنه بعد عودة مواسير الحرير إليها، تبدأ بغزل خيوطه لتنسج منها أجمل القطع الحريرية من شالات وكنزات ومفارش أسرة وحقائب نسائية، وغيرها من روائع فن صناعة الحرير التي تلائم جميع الأذواق، ومن أهمها المنديل التراثي وهو تراث ريف محافظة حماة واللاذقية ودريكيش.
وأكدت أن تربية دودة القز تتطلب رعاية وانتباها بالغين لأن الديدان تحتاج إلى مناخ معين وشروط خاصة من أجل تربيتها، وحدوث أي خلل في شروط التربية يؤدي إلى خسارة الشرانق جميعها لذلك تعدّ تربيتها مغامرة.
وتقول المهندسة راما مخللاتي، إن “ديدان القز تعيش في غرفة جيّة التهوية وخالية من الحشرات ومحكمة الإغلاق، ومع تأمين فتحات التهوية بأغطية ناعمة تمنع مرور الفئران أو الحشرات أو العصافير، ثم توضع الديدان في الصواني المصنوعة من البلاستيك أو الخشب، وترفع عن الأرض بوساطة حوامل خشبية متينة، أو تعلق بالحبال القوية في سقف الغرفة حتى لا تصل إليها الحشرات”.
يذكر أن هناك نوعين للحرير أبيض وأصفر حسب السلالة وفي سوريا، والسلالة الصفراء انقرضت، كما يعد الحرير الطبيعي أساس صناعة أقمشة البروكار والدامسكو والأغباني التي اشتهرت بها سوريا عبر التاريخ.
ويقول المهندس معلا، إن الأمراض التي تتعرض لها دودة الحرير تعود إلى إهمال المربي بالدرجة الأولى حيث ينبغي أن يحافظ على الديدان بعيدة عن بعضها من ناحية، وبعيدة عن الهواء والماء من ناحية أخرى، لأن الكثافة والتلامس يتسببان بأمراض فطرية حيث إن جلدها رقيق جدا ما يؤدي إلى تلف الإنتاج بأكمله.
وأوضحت عيد أنها عشقت مهنة تربية دودة القز وغزل وحياكة الحرير التي أعطتها من نتاج خبرتها لتواكب بها العصر ومتطلباته فهي تسعى دائما لحياكة الجديد من خيوط الحرير مثل الشالات وربطات العنق الناعمة التي تناسب ذوق الشابات إضافة إلى الحلي والتنانير والفساتين فهي تحافظ على مهنتها من الاندثار خاصة بعد أن أصبح محترفوها بعدد أصابع اليد، فهي تراث سوري عريق له بصمته المميزة.
السيدات يبعن حريرهن بالذراع
يتم شراء القماش الأولي المصنوع من الحرير الطبيعي بقياس الذراع وليس بالمتر، وهي عادة قديمة حافظت عليها سيدات دير ماما اللواتي كرسن أيضا لونا وحيدا لمشغولاتهن الحريرية، ألا وهو اللون السكري الناتج عن إدخال نسبة قليلة جدا من مادة الصفيرة التي تحضرها السيدات من سوق الطويل في مدينة حماة على عدّ أنها المادة الوحيدة التي تثبت على الحرير الطبيعي بعد غلي الخيوط لمدة ثلاث ساعات عقب قطافها حتى تتخلص من قساوتها. وتذكر نائلة محمود المتخصصة بصناعة مشغولات يدوية من الحرير الطبيعي، أن الصفيرة هي مادة كاشفة لجودة الحرير الطبيعي نظرا لعدم إمكانية التصاق الصفيرة بالخيوط في حال لم تكن طبيعية مئة بالمئة.
تقول، “تأتينا طلبيات من محافظات سورية متعددة إضافة إلى توصيات من خارج البلاد رغم ارتفاع أسعار القطع التي تصل إلى عشرين ألف ليرة سورية للقطعة الواحدة تبعا لارتفاع أسعار المواد الأولية”. وأكدت محمود “أهمية حصول السيدات العاملات في هذه الصناعة على الدعم اللازم لاستمرار هذه المهنة التي تعدُّ موردا جيدا لهؤلاء النسوة سواءاً من خلال مشاركتهن في المعارض أم من خلال تصريف منتجاتهن ضمن منازلهن عبر توصيات خاصة”.
وشددت محمود على ضرورة تعلم الفتيات أصول هذه المهنة لأنها باتت برأيها مهددة بالاندثار لافتة إلى أن “أي سيدة تتقن عمل الكروشيه قادرة على النسج بالحرير الطبيعي والتفنن فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى