العقل البشري ومعرفة الله
كثيراً ما تطرق أسماعَنا عبارةُ: «تُعرف الأشياء بأضدادها»، فما المقصود منها؟يؤكد العلماء العاملون في مجال تحليل العقل البشريّ، أنّ هذا العقل إنّما يدرك الأشياء ويتعرّف عليها من خلال مقارنتها بما يقابلها، ولا وسيلة له لمعرفة الأشياء سوى هذه الوسيلة وعليه، فإنّ الإنسان سيقف عاجزاً عن إدراك الشيء الذي لا مقابل له حتى ولو كان بمنتهى الجلاء والوضوح وهذا هو المقصود من العبارة الشائعة على ألسن العلماء:»تُعرف الأشياء بأضدادها»..يقول أحد العلماء القدامى، إنّ هناك موسيقا رتيبة تنبعث دائماً من حركة الأفلاك، ولكن بما انّ النّاس يسمعونها بلا انقطاع فإنّهم لا يسمعونها أبداً!وللسبب عينه يفقد الأغنياء إحساسهم باللذائذ، والفقراء شعورهم بالآلام… وسِق في هذا المجال جميع الأمثلة: القدرة والعجز، العلم والجهل، الخير والشرّ..وجهاز إدراك الإنسان الذي لا يدرك الأشياء إلا بمقابلها كما سلف وذكرنا ، فإنّه لن يكون في مقدوره أن يدرك هذا النور الإلهيّ الدائم بنفسه، ولن يدرك الذات الإلهيّة الظاهرة بنفسها، إنّه يحتاج إلى المقابل والضدّ دائماً.لو كانت الذات الإلهية تظهر مرة وتأفل أخرى جلّ الله وعلا عن ذلك لأدركها الإنسان وعرفها بنفسها، أمّا والنور الإلهي دائم..إنّ العقل البشري وإدراك الإنسان محدود، فهو لا يدرك الأشياء إلا بوساطة أضدادها، وإذا لم يكن لثمة شيء ما يقابله ويضادّه، فإنّ العقل البشري سيقف عاجزاً عن إدراكه والإنسان يدرك النور والظلام بالمقابلة بينهما، وكذا القدرة والعجز لولا العجز لما عرف للقدرة معنى، وقس على ذلك العلم والجهل، الخير والشرّ، إلى ما هنالك من أشياء يدركها هذا العقل..من هنا إنما بوسع العقل أن يدرك الذات الإلهية بالنظر إلى نفسه التي تحتوي الصفات المقابلة لصفات تلك الذات، فالنفس منتهى العجز والفقر والحاجة والضعف، والله منتهى القدرة والغنى والاستغناء، هو الكمال المطلق..وكما يمكن للإنسان أن يعرف الله بوساطة أفعال الله ومخلوقاته، إذ هذه الأفعال والمخلوقات توجد وتنعدم، فتحمل الصفات المتضادة والمقابلة لبعضها، وعليه يتمكن الإنسان من إدراكها، ومع إدراكها، وما هي إلا قبس من النور الإلهيّ، فإنّه سينعم بشيء من معرفة الله.



