النسخة الرقميةثقافية

مجد الخريف

محمد قشتو ـ المغرب

في صبيحة تختلف عن باقي الصباحات، ما أن نفخ أحدهم في بوق الأذان معلنا افتتاح موسم الخريف، حتى غدت الطرق مليئة مكتظة بكل أطياف البشر صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم، فأصبح النوم إلى غاية السابعة حراما كحرام الأكل نهار رمضان.. كيف لا وأهل المدينة حل بهم الفجر بين أرجاء القرية فما بالك بأهلها وسكانها؟.. فليس من الغرابة قطعا أن تصادف وجوهاً غير الوجوه التي اعتادها الجميع على أطراف الطرقات وفي ملتقياتها، أصبح الكل في شغل فاكه بالقشور التي تحملها طيات هاته الأشجار العملاقة الشامخة المشمخرة.
الغريب لا يفهم من تلك الكلمات المتلعثمة التي نادى بها صاحبنا سوى كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) «صلى الله عليه وآله سلم» و «تقبيلت» أي: القبيلة. فهي كفيلة ليعلم الرائح والجائي أن جني فاكهة التفاح حلال طيب ولا تؤدى عليها الغرامة، المعهودة بـ»أزاين»، لكن ورغم حلاوة هذه الفاكهة وطعمها العذب اللذيذ إلى جانب الخوخ والتين والبرقوق، لا تحتل رتبة عالية ومكانة قصوى في شدة الحصول عليها في قلوب المقبلين على فصل الخريف كما تحتلها حبات أشجار الكركاع التي تملأ الوديان والحيطان والبساتين وجانب الطرقات وأمام البيوت وبمحاداة أشجار الصفصاف وغيرها.. فإذا كان رب كل بيت لا بد وله حقل مليء بفاكهة التفاح فإنه من المستحيلات السبعة ألا يكون له أزيد من خمس شجيرات من الكركاع، يقبل عليها كالمقبل على مجد تليد رغب فيه واشتدت همته لبلوغه ووصوله.. فهذا الذي يقطن بعيداً يدركه الصباح أمام شجيراته، فيمخر عشرات وربما مئات الكيلومترات بسيارته أو دراجته أو دآبته ليبلغ مجدا يأتي عليه كل عام، فكيف بالذي تنتصب الأشجار أمام داره أو على مقربة منه؟.الجميع يهرول، وتلك الأحاديث النسائية على جنبات الطريق ليس لها وقت، يكتفي الجميع بالسلام عليكم.. السلام عليكم، البعض يحمل السلات والبعض الآخر أكياس الدقيق الفارغة التي يجمع فيها ما يأتي به يومه، حتى الفتيات اللائي كن مشغولات بإعداد الفطور أو كن في شغل غيره في ذلك الصباح بمجرد أن سمعن النفخ في البوق تركن كل شيء وأقبلن على مجد الخريف.
يبدو الجميع في الحقول كما الأسواق، كثرة تهافت وكلام، وجد وفرح وعصبية، هذا قد بدأ يتسلق جذر إحدى الأشجار العملاقة، والآخر من شيعته يضع غربالا من الأشواك وسط المياه، وآخر من شيعة أخرى ينادي إبنه: توكل على الله وكن حذرا من الإنفلات.. بعد بضع دقائق تسمع في كل مكان صوت العصا تضرب بها أغصان الأشجار، ويتبعها صوت حبات الكركاع ـ الجوز ـ تتالى على الأرض أو على الماء، حتى إذا انتهى هذا الذي تراه في قنة الشجرة بعصاه من جهة، تحول إلى جهة أخرى وهو يطلب التسليم في كل دقائقه، وربما أنساه كثرة انتقاله من غصن لآخر.. ثم يأتي بعد ذلك دور النساء فيجمعن ما طاب وخرج من اخضراره وما لم يخرج بعد، وهكذا وهلم جرا في كل مكان تمر به طيلة اليوم.
وليست الأشجار جميعها سيان، منها الصغيرة والكبيرة، ومنها التي أرخت بأطرافها من ثقل ما تحمله فتكتفي بالوقوف أرضا وتضرب بعصاك فيسقط الخير بين رجليك، ومنها المشمخرة بأذيال أغصانها في عنان السماء ولا تملك بلوغها إلا بالصعود إليها.. ومنها أيضا الصعبة الولوج، فلا يلجها إلا الشاب أو الرجل الذي تدرب وأفنى عز أيامه في التسلق بين الأشجار فأصبح يلتفت وينتقل من هنا إلى هناك كالسنجاب، ومنها الأشد كالتي تلوي أحد أغصانها في سماء خالية ولا يكون تحتها إلا صخرات الوادي العملاقة، فيكون التسلق فيه أشد من غيره لخطر الإنزلاق أو الإنفلات.أما هذا المرء الذي يصعد هذا النوع من الأشجار فعادة ما يكون أو يستحب أن يكون نحيفا خفيف الوزن سريع الحركة محكم القبضة على العصا، يعرف خبايا الأشجار حكيم الضرب ضابط الوزن، ولا يتسلق بحذاء ولا خف بل يصعد ورجلاه حافيتان، يحسن التركيز ويتجاوب مع فكره، ولا يبالي بالكلام المشاع تحته إلا عند الضرورة.. فلله ما أصعب مهمته!!، ويا عجبا كيف يتجرأ على روحه والخمس قليل في حقه كجزاء كما هو مشاع ومذاع، مع أنه لم يعد رباً يعطي هذا الخمس إلا من رحم الله!!.وما هو مجد إلا لشدة التنافس عليه، فتارة تجد شجرة قد بلغت من العمر عتيا، فتقدر لها في ذهنك عمرا يزيد عن عمر أكبر عجوز شمطاء تراها، وفي تعبها كتعب هذه العجوز، لا تستطيع التحمل إلا بالإتكاء على عصاها، غير أن الشجرة ترخي بأذيالها وتتوكأ على شجرة محكمة الوقفة بقربها.
ومنها التي تعطيك حباً طيبا خالصا مليئا، ومنها التي يغلب عليها الفراغ والخسران، وقد تعطيك الصغيرة ما لا تعطيك الكبيرة، بل وقد يجيء الخير من التي وضعت على الصلد ولا يجيء من التي كبرت في التراب، وتلك حكمة الله لخلقه، من تأملها وجد فيها درسا بليغا وفهما عميقا لحياته.
أما الإنفاق في هذه الظرفية من أرباب هاته الخيرات، فلم نعلم فيه شيئاً سوى أن كل رب يعطي لأعوانه من ذلك شيئا جزاء على مساعدته، ولا ينهر السائلون الطوافون الغرباء وعابري السبيل.. وكذلك الصبية الذين يمرون بجنبات الوادي أحيانا.
وهكذا وقس على بقية الأيام حتى ينته كل وال على ما وهبه الله.. ثم يأتي بعد ذلك دور الذين يستغلون ما بقي في الأشجار فهو لهم حلال، سواء بالرشق أم بالتنقيب بين المنابت مما قد ينسى ولا يرى.. فيبقى ذلك رزقاً لمن سعى فيه وتحمل مشاقه وأعد له العدة.حتى إذا جمع كل رجل ما له ملأ به الأكياس حمله على ظهره أو ظهر زوجه أو واحد من حاشيته، وإن كان له برذون حمله عليه إن كان قريبا من مسكنه، وإن كان بعيدا استعان في ذلك بسيارة أو عربة، وإذا بزغت الشمس فرش على سطح البيوت حتى يطيب ذوقه ولا يضيع إلى أن يبيعه بائعه.
والناس في بيعه مذاهب، فمنهم الذي عنده الشيء الكثير يبيعه بقدر لكل ألف حبة، فإذا كان موسما ضعيفا كان ثمنه باهظا، وإن كان موسما خيرا بخس ثمنه إلا في الإحتفاظ به، ومنهم الذي يتخذ له خداما فيستخرجون لبه ثم يبيعه بعدها بالكيل والميزان.. كل هذا بعد أن يستخرج منه الهبات لذويه وشأنه وأصحابه.
ويأتي التفاح في المرتبة الثانية من خيرات الخريف، وشأنه شأن الكركاع، غير أنه يقطف بلين وسهولة ويوضع في الصناديق بلطف واسترخاء لكيلا يصيبه أذى، ومنه الأحمر فهو الأنثى والأبيض فهو الذكر، ويباع في الشجر عند طائفة، وبالصندوق عند طائفة أخرى، ويؤخذ هو الآخر من مكان قطفه على هيأة أخذ الكركاع، ويعطى منه للخدام والأهل والسائلون والغرباء.أما بقية الفاكهة كالتين والخوخ والبرقوق فتقطف للأكل أو لصنع بعض المشروبات العذبة، ولا أرى أحد من أصحابنا يبيعه على هيئة التفاح والكركاع.
وإذا جاء الخريف جاءت معه بعض اللا أخلاقيات غير المعهودة، كسطو البعض على أملاك الآخرين، فقد يسطو الرجل الكبير ويتقي ذلك الطفل الصغير، وقد يرتكب ذلك علنا أو في جنحة الظلام في ليل أليل، لكن عاقبة ذلك لا تخرج بخير.. هذا هو الخريف، وهذا هو مجده الذي يسعى إليه الجميع في كل حول يأتي.
ولو تؤخذ المعالي بهذه الهمم، لبلغها الجميع دون أحد.. وفي الخريف يستنبط فناء كل شيء، ففيم جرى على اللسان؛ خريف الأشجار، وخريف العمر، ولكل شيء خريفه.. وفي الخريف تجني ما زرعت في الشتاء ونبت في الربيع وسقيته في الصيف.. فكذلك الحياة مجد كما الخريف مجد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى