إصلاح العملية السياسية بإصلاح الأحزاب ذاتها !
مع أن الأحزاب تمثل الرافعة الحقيقية للديمقراطية، إلا أن العمل الحزبي في العراق يواجه مشكلات كبيرة، بعضها يتعلق بالأحزاب ذاتها، وبعضها يتعلق بالدولة وعلاقتها بالأحزاب، وبعضها يتعلق بعلاقة المواطنين بالأحزاب، فيما بعضها الآخر يتعلق بعلاقة المواطنين بالدولة.
تتعاطى أجهزة الدولة الأمنية والبيروقراطية؛ بخشية وحذر بل ورفض، لعملية تعددية حزبية حقيقية ،لأنها لا تثق إلا في «رجال الدولة»، ممن يرتبطون معها بصلة وثيقة، إما بشكل مباشر أو عبر توصيات رجالها.
هذه المشكلة تأتي بالأساس، بسبب ارتباط الدولة العراقية لأربعين عاما، بتجربة الحزب الواحد، الذي عمل كعصب للدولة والنظام معا، حيث لا يمكن الولوج إلى الشأن السياسي العام، أو إلى عملية صنع القرار إلا من خلاله.
من هنا فأجهزة الدولة تسعى دوما؛ لترتيب أروقة السياسة، وتعدّ أن ذلك الترتيب المسبق، ليس من قبيل التزوير أو التلاعب، ولكنه بحسب فهمها؛ فعل أصيل لضمان استقرار الدولة، وشبكات الحكم المأمونة بها.
ثقافة المواطن؛ ترى العمل الحزبي إما من قبيل الترف؛ وإما من قبيل التهديد الأمني، وعادة ما يفكر العراقيون بأن هناك حزبا واحدا فقط، هو القادر على تسيير الأمور وتحقيق الرغبات، لأنه «حزب السلطة»، بينما الأحزاب الأخرى هي إما ورقية، أو تلعب دورا مخططا لها مسبقا، فترسخ في ذهن المواطن، أن التعددية مجرد «ديكور» للتخديم على الحزب الواحد؛ القوي القادر على قيادة البلاد. العلاقة بين النظام «الدولة» والمواطن، أصبحت علاقة «زبائنية»، فالدولة تقدم فرصا اقتصادية واجتماعية، لوسطاء «نواب وسياسيين وحزبيين»، يعرفون قواعد اللعبة، ولا يتخطون الحدود المرسومة لهم مسبقا، في مقابل الحصول على «توكيل الدولة»، للتوظيف والخدمات العامة لتقديمها للعامة، وهكذا فإن العلاقة من رأس الدولة وحتى المواطن، مرورا بالوسطاء السياسيين والحزبيين، هي علاقة زبائنية للعبور إلى مصادر الدخل والثروة والموارد، وفقا لقواعد لعبة الحزب الواحد؛ الدولاتي فى إطار تعددي مصطنع.
نتيجة لكل ما سبق؛ تضعف البنية التنظيمية للأحزاب، وتندر مواردها البشرية وتكثر خلافاتها، ويتم استنزافها على أصعدة داخلية وخارجية.
بعد العثرات التي منيت بها الحياة السياسية في العراق، أصيبت أعداد كبيرة من النخب الثقافية المؤثرة بالاحباط، جراء التأزم الحاصل في القمم والقواعد الحزبية، فضلا عن تزايد الشعور؛ بعدم جدوى محاولات العلاج؛ بآليات تفتقر للنجاعة السياسية، وأدى عزوف كثير من القيادات النشطة، الى إتاحة الفرصة لأنصاف الموهوبين؛ للتقدم الى الصفوف الأولى. ضعف الكوادر الحزبية والسياسية، يعد واحدا من أهم مشكلات الحياة السياسية فى العراق؛ وتتبدى الصورة بوضوح، في قلة الذين يعرفون متطلبات العمل الحزبي، والقادرين على الاشتباك مع المشهد السياسي، فضلا عن أن معظمهم قليلي الكفاءة.
لذلك لا بدَّ للأحزاب، وخصوصا في الأوضاع السياسية الغامضة حاليا، أن تأخذ على محمل الجد؛ مهمة بناء وتطوير كوادرها الحزبية.
كي تستعيد الأحزاب مكانتها كاداة للديمقراطية، فإن من أهم خطوات الاصلاح السياسي الحزبي، توافر درجة معقولة من العافية السياسية، مصحوبة بوسائل اقناع، تجذب الشخصيات التي نأت بنفسها، وتخرجها من عزلتها الاختيارية، لتنخرط في المعادلة الراهنة، على أمل امكانية نجاح مساهماتها، في تنشيط الواقع الحزبي والسياسي، وتصويب الاتجاهات داخل الأحزاب، بما يقلل من السلبيات الحالية، التي ألحقت أضرارا بالغة بالتجربة.
كلام قبل السلام: المرحلة الحالية وما يمر به العراق من تحولات، تحتاج إلى مشاركات أكبر من الأحزاب السياسية، ومواجهات واتصال بالقواعد الجماهيرية، وتفعيل أكبر لدور الأحزاب في الشارع، وعلى الأحزاب المساهمة بشكل أكبر في حل مشكلاتها، ليكون دورها أعمق في حياة المواطنين.
سلام..
قاسم العجرش



