مشكلة تلوث مياه الشرب في العراق
تعد المياه العذبة من أبرزِ حاجاتِ الإنسان الثمينة التي كانت مبعثاً لقيامِ كثير من الحروبِ على مر التأريخ، فضلاً عن تسبب فقدانها بإزالةِ مدن وتلاشيها من الوجودِ، الأمر الذي أفضى إلى اهتمامِ حكومات مختلف دول العالم بميدانِ مياه الشرب، بوصفه من القطاعاتِ الرئيسة المتأتية أهميتها من اعتباراتٍ تتعلق بشدةِ الآثار التي تخلفها المياه الملوثة على مستوى الصحة العامة وبيئة الحياة وسلوك المجتمع، إضافة إلى مساهمتها في إعاقةِ عملية التنمية. وقد دأبت بعض البلدان المتقدمة مثل هولندا على رسمِ سياسات صارمة من شأنِها المساهمة بتوعيةِ الشعب للحفاظِ على نظافةِ البيئة، حيث يرضخ الهولنديون إلى القبولِ بهبوطِ مستوى معيشتهم من أجلِ حماية البيئة، إلى جانبِ التضحية بنسبةٍ من دخلهم القومي تفوق ميزانية وزارة الدفاع سعيا في مكافحةِ التلوث!!.
في الوقتِ الذي تسعى فيه الدوائر البلدية إلى تبني أفضل ما متاح من الآليات التي بوسعها ضمان كفاءة عمليات معالجة الماء الخام بقصدِ إنتاج مياه شرب آمنة على وفقِ المعايير الدولية لمنظمّة الصحّة العالمية، فإن قلةَ موجود منظومات المجاري، فضلاً عن قدمِ أغلبها وتعرض أجزاء منها إلى الانسدادِ والتخسف جراء إخفاق دوائر المجاري في القيامِ بعملياتِ الإدامة الدورية، أفضى إلى تسريبِ مياه الصرف الصحي غير المعالجة الى المجاري المائية واختلاط مخلفاتها بمياهِ الأنهار التي تعد المصادر الرئيسة لمشروعاتِ ومحطات صناعة المياه النقية، فضلاً عن مساهمةِ نضوح الأنابيب الناقلة لمياهِ الشرب وتسربها إلى التربةِ بتلويثِها قبل وصولها للمستهلك، ما يعني عدم صلاحيتها لأغراضِ الشرب وغيرها من الاستخداماتِ البشرية. وأدهى من ذلك افتقار أغلب مشروعات مياه المجاري التي أقيمت حديثاً في بغداد والمحافظات إلى وحداتٍ خاصة بالمعالجة، حيث يجري تجميع مياه المجاري ومن ثم التخلص منها برميِها مباشرة من دونِ معالجة في نهري دجلة والفرات وروافدهما، ما يفضي إلى دخولِ الملوثات إلى الأنهار والتسبب بزيادةِ ملوثات المياه ورفع نسب الأملاح فيها لمستوياتٍ تتجاوز المعدلات المسموح بها دولياً.
الواقع الذي تقدم ذكره أدى من دونِ أدنى شك إلى تزايدِ شكوك المستهلكين حول صلاحية مياه الشرب التي تنتجها محطات التصفية ومن ثم ضخها في شبكاتِ الإسالة إلى كثيرٍ من مناطق البلاد وفي المقدمة منها مدينة بغداد التي تسودها حالياً ظاهرة نصب منظومات تصفية وتنقية المياه في المنازلِ، خشية التعرض إلى مشكلات صحية.
إن سياسةَ النهوض بالبلادِ صوب بيئة نظيفة ومياه عذبة، تلزم الإدارات البلدية العمل على توسيعِ عدد شبكات المجاري وإقامة وحدات المعالجة التي يمكن توظيف مخرجاتها من المياهِ في مهمةِ ترشيد استهلاك المياه المنتجة لأغراضِ الشرب؛ بالنظرِ لإمكانية استخدامها في مجالاتٍ عدة من جملتها إرواء المزارع، سقي الحدائق العامة و الاستخدامات الصناعية.
في امان الله.
لطيف عبد سالم العگيلي



