اخر الأخبار

حينما يكون «الحزب» سلعة !

ثمة مفهومان مختلفان تماما سبباً ونتيجة فيما يتعلق بوضع الأحزاب العراقية القانوني، وكيفية التعاطي مع علاقة الدولة بالأحزاب..
المفهوم الأول؛ يبغي من وضع الأحزاب؛ ضمن عملية مقوننة الى تنظيم عملها وجعله أكثر شفافية ، وبما يجعلها أداة فعالة وبإطار رسمي متكامل، لبناء المستقبل السياسي للبلاد، وبالتالي المساهمة في مأسسة الدولة من خلال مأسسة العمل الحزبي، وعدم ترك حبال العمل الحزبي على الغارب.
يسلك أصحاب هذا المفهوم، سبيل تيسير رسمي للأحزاب وعملها ودعمها، ويجعلها تحت نظر الدولة، بل أن معتنقي هذا المفهوم، يروجون لفكرة يعدونها ضرورية جدا، وهي أن تدعم الدولة الأحزاب ماليا، وبما يجنبها اللجوء الى مصادر تمويل ليست مشروعة، ربما تنزلق من خلالها الى ما لا يخدم الوطن، كإرتهان الإرادة السياسية للحزب الى جهة خارجية ممولة.
أصحاب هذا المفهوم يرون في الحزب السياسي، أنه جماعة منظمة على اساس مبادئ واهداف مشتركة، تساهم في تشكيل الارادة السياسية، وتشارك في الشؤون العامة، وتسعى الى المشاركة في العملية السياسية، من خلال الانتخابات والاستفتاءات، وتمارس نشاطها بالوسائل الديمقراطية، بهدف تداول السلطة سلميا والمشاركة فيها، ويؤكد أصحاب هذا المفهوم ضرورة وجود ديمقراطية حزبية داخلية، كمقدمة لديمقراطية تداول السلطة في الدولة.
المفهوم الثاني يبغي من قوننة العمل الحزبي، وضع الأحزاب ونشاطها تحت رقابة السلطة التنفيذية، وتكبيلها بقيود كثيرة، تمنع الأحزاب؛ من أن تبدي معارضة فاعلة للسلطة التنفيذية، أو على الأقل تضمن أن تكون الأحزاب مدجنة؛ لا يعلو لها صياح ديكة، ولكن يسمع لها نقيق ضفادع..
أصحاب هذا المفهوم يرون، أن تخضع الأحزاب الى دائرة حكومية، تكون مهمتها «توجيه» العمل الحزبي، وسيكون من حق هذه الدائرة الحكومية، إيجاد أي سبب يمكنها منع نشاط الحزب، وتحت عنوان عريض قابل لألف تأويل وتأويل، هو قيام الحزب باي نشاط يهدد امن الدولة، او وحدة اراضيها وسيادتها واستقلالها .
وكما هو بائن، فإن أصحاب المفهوم الأول؛ يريدون عملا حزبيا نظيفا، أما أصحاب المفهوم الثاني، فإنهم يريدون عملا حزبيا وسخا مثلهم..!
عملياً هناك مقاومة قوية وشرسة؛ لأي من المفهومين من الأحزاب ذاتها، فمعظم قيادات الأحزاب العراقية، ونظرا لعدم عمق التجربة الحزبية؛ وتجذرها في الواقع العراقي، ترى أن الحزب الذي تقوده هو بالحقيقة صنيعتها، وهو بالتالي ملكية شخصية لها، شأنه شأن «السلع» والمواد التي يملكونها أو تملكوها، ولذلك فإن على الحزب وكوادره، أن يسبح بحمدها ويقدسها، وهو ما حاصل فعلا في حياتنا السياسية، حينما لبس عدد من قادة الأحزاب العراقية، لبوس «التأريخية»، وهو مفهوم تجميلي لفكرة الشمولية.
كلام قبل السلام: المحصلة المثيرة لقلق كبير مشروع، أن القيادات الحزبية «التأريخية» باتت عوائق كبرى؛ أمام قيام حياة حزبية حقيقية؛ تحقق الأهداف التي تشكلت لأجلها الأحزاب، فقد تنحت الأهداف لصالح «الأغراض»، وفي مقدمتها «غرض» بقاء «الزعامات التأريخية» على رؤوس الأحزاب، حتى لو كانت أحجار عثرة..!
سلام..

قاسم العجرش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى