مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم
66
يمكن الجزم أنَّ مِنْ بَيْنَ أهمَ المقومات الهيكلية الَّتِي ارتكزت عَليها الإبداعية المائزة لتجربةِ السَّماويّ يحيى الأدبية، تمثلت فِي روعةِ نظمه الشِّعر وَعذوبة تقريضه، وَالمبهر مِنْ جماليةِ الصورة البلاغية، بالإضافةِ إلى خروجِ آليات نظم الشِّعر لَديه عَنْ المألوفِ فِي إثارةِ المتلقي، طالما أنَّ الشِّعرَ وَأساليبه – بحسبِه – فِي تطورٍ متأتٍ مِنْ كونَه ابن الحياة المتحركة، فالسَماويّ يحيى يرى أنَّ قصيدةَ النثر تمثل إضافة جديدة للأدبِ العربي، أو دماً جديداً لجسدِ القصيدة العربية، حيث أنَّه مَعَ كُلِّ جديد إبداعي، فالشِّعر بحسبِه: «ليس الوزن والقافية، فلو كان الوزن وَالقافية وَاللغة السليمة تُشكل مستلزمات الشِّعر وَثوابته وَشروطه؛ لأصبحت ألفية ابن مالك ملحمة شِعْريَّة، بينما هي فِي حقيقتها لا تعدو كونها منظومة لغوية ليس فيها مِنْ بيدرِ الشِّعر ولو بمقدارِ حبة خردل». يضاف إلى ذلك أنَّ مَا يهمّ السَماويّ فِي القصيدةِ هو حجم الشِعْريَّة وَليس شكل القصيدة، حيث يشير إلى هذه الجزئية المهمة بالقولِ: «يعنيني مِن الثمرةِ لبّها وليس قشرتها الخارجية، وهذه الشِعْريَّة هي الَّتِي جعلتني أركض وراء نصوص محمد الماغوط وسرجون بولص وسيف الرحبي ووديع سعادة وناهض الخياط وهادي الناصر وعبد العظيم فنجان وماجد الشرع وكريم جخيور وشعراء بُهِرتُ بهم مؤخرا مثل علوان حسين وهبة هاني وطارق الحلفي وفائز الحداد ومثلائهم ، بينما لا أعير مثل هذا الإهتمام للكثيرِ مِنْ شعرِ الشطرين والتفعيلة ولسببٍ جوهري، هو ندرة الشِعْريَّة فيه». وَحولَ تعمده وضع جملة «نصوص نثرية» عَلَى بعضِ إصداراته، فإنَّ السَماويّ يحيى يعزو ذلك إلى سببينِ جوهريين، أولهما أنَّ نصوصَه لا تتوافر فيها كُلّ شروط قصيدة النثر كالتوهج وَاللازمنية وَالإقتصاد فِي الكلمات، حيث أنَّها أكثر مِنْ كونِها خواطر، لكنها فِي نفسِ الوقت أقلّ مِنْ كونِها شِعرا، فِيما يتمثل السبب الآخر بحبِه لتشكيلِه النثريّ وعدم خجله منه، الأمر الَّذِي يفرض عَلَيه عدم إلباسه ثوباً عَلَى غيرِ مقاسه؛ إذ أنَّ خلودَ النص بحسبِه « ليس فِي فصيلةِ جنسه الأدبي، فالجاحظ مثلاً كتب النثر وَليس الشِّعر، ومع ذلك فقد عاش نثر الجاحظ بينما مات شعر كثيرين مِنْ مجايليه».
الـلـيـلُ مـصـلـوبٌ عـلـى نـافـذتـي
والـفـجـرُ يـرتـدي عـبـاءةً مـن الـغـيـومْ
جَـفَّ بـريـقُ الـبـدرِ فـي عـيـنـيَّ
والـنـجـومْ
وهـأنـا مـئـذنـةٌ صـامـتـةٌ
وضـحـكـةٌ حَـزَّ صـداهــا خـنـجـرُ الـوجـومْ
لا بُـدَّ مـن خـمـرٍ جـديـدٍ
غـيـر خـمـرِ الـتـمـرِ والـتـفـاحِ والـكـرومْ
خـمـرٍ إذا شــربـتُـهُ أصـحـو
ولـكـنْ
تـسـكـرُ الـكـأسُ وتـنـجـلـي بـهِ الـهـمـومْ
عَـتَّـقَـنـي فـي طـيـشِـهِ أمـسـي
وعَـتَّـقـتُ غـدي فـي غـفـلـتـي
فـهـل أنـا «ثـمـودُ»؟
أمْ «سـدومْ»؟
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ منجزَ السَّماويّ يحيى الإبداعيّ، ألزمه التحليق فِي فضاءاتٍ بعيدة اعتمد فِيهّا عَلَى حنكةِ إزميله اللغوي التصويري فِي نحتِه المثيرَ مِنْ أبياتِ الشِّعر، أو نقشه الأنيق مِنْ جملِ النثر. وَمِنْ هُنَا فإننَا لا نبعد عَنْ الصَوَابِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ قدرته عَلَى إيقاظِ الإحساس بالجمالِ لدى المتلقي، كان له أثره الإيجابي فِي المُسَاهَمَةِ باستعدادِ المتلقي التفاعلِ بشكلٍ وجدانيّ مَعَ نتاج الشاعر المترجم لَه؛ نتيجة شعور القارئ أو السامع بحالةٍ مِن الانتشاءِ الَّتِي ملؤها الاندهاش، وَرُبَّما الانبهار أو الذهول، وَالَّذِي يترك فِي النفسِ وَالذهن أثر الرضى وَالارتياح؛ لذا لا عجب مِنْ كثرةِ الباحثين أو الكُتَاب، وَكذلك النقاد الَّذين انهمكوا فِي دراسةِ القيمةِ الإبداعية وَالفَنِّيَّة لمنجزِ السَّماويّ الشِّعْريّ، حيث تناول نتاجه الكثيرَ مِن الدارسين وَالباحثين وَالنقاد بدراساتٍ تحليلية وَمقارنة وإحصائية، فضلاً عَنْ أبحاثٍ نقدية، وَرسائل ماجستير وَأطاريح دكتوراه، وَكَتب عَنه عشرات الأدباء وَالكتاب وَالشُّعراء فِيمَا تباين وَتعدد مِن: الدورياتِ وَالصحف وَالمنتديات وَالمواقع الإِلِيكْتُرُونِيَّة – المَحَلِّيَّة وَالعَرَبيَّة وَالعَالَميَّة – موضوعات بمختلفِ المحاور الخاصة بتجربتِه الأدبية المتميزة، بالإضافةِ إلى تَرجمةِ مختارات مِنْ شعره للغاتٍ عدة، لعلَّ مِنْ بَيْنَها الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الإسبانية، الفارسية، الإيطالية، الأوردية، الصربية، الكردية وَالهندية. كذلك ساهم السَّماويّ فِي تأسيسِ العديد مِن الروابطِ وَالمنتديات الثقافيَّة، إلى جانبِ إيجابية المشاركة فِي فعالياتِها. وَمِنْ بَيْنَ البحوث وَالدراسات الكثيرة الَّتِي كتبت عَنْ خطابِ السَماويّ يحيى الشعري، وصلني مؤخراً مؤلف الدكتور باسم خيري الموسوم «التماسك النصي في شعر يحيى السماوي – نحو منهج في التحليل النصي للخطاب الشعري – ديوان أطفئيني بنارك أنموذجاً» وَالَّذِي سجل فِي مقدمته مَا نصه « حاولت أن أغوص في نصٍّ عالٍ، حمل في طياته تأريخ وطن، ومعاناة شاعر لم ينعم بوطنه، أجبر على مغادرته، فحمل وطنه معه في وجدانه، لم يتحمل فراق وطنه، فكان تميمته التي لا تغادره، كان وطنه حبيبته التي يسعى للفوز بدفء فراشها، كان وطنه أمه التي لم يمل قبلاتها على جبينه، كان وطنه شقوق أرجل والده الذي أعياه طول الزمان وتعاور الظالمين. أبحرت في هذا المبحث في لغة شعرية عاشقة، ومعجم قلَّ ما نجد مثل شفافيته وتميزه، فكانت قصائده كمنبع صاف ينهل منه العاشقون، ويرتوي منه الظمآن، يرتوي منه من أعياه فراق الأهل والأحبة، ولا يجد سوى كلمات السماوي ملجأ يأوي إليه. لقد مثل السماوي في شعره عودة للشعر الرومانسي الهادف، فكانت قصائده تحاكي حبيبة، وتناجي وطنا».
تـعِـبـتُ مـن الـوقـوفِ عـلـى رصـيـفِ الـلـيـلِ
مـشـلـولَ الـخـطـى والـدربِ
أعـمـى الـقـلـبِ لا الـبَـصَـرِ
وأتـعَـبَـنـي الـسـؤالُ الـصـعـبُ:
كـيـفَ غـدوتُ فـي عِـشـقٍ عـلـى كِـبَـرِ؟
سَـلـي واديـكِ يـامـعـصـومـةَ الـبـسـتـانِ
عـن مـطـري
أمـثـلـي فـي الـهـوى صُـبـحٌ ضَـحـوكُ الـشـمـسِ دافـئـهـا
ولـيـلٌ راقـصُ الـقـمـرِ؟
ومـثـلُ رغـيـفِ تـنـوري وكـوثـرِ جـدولـي؟
مـثـلـي نـديـمٌ سـاحـرُ الـسَّـمـرِ؟
وهـل رمـحٌ كـرمـحـي عـنـد مُـشـتَـجَـرِ؟
وهـل طـيـشٌ كـطـيـشـي أو حـيـاءٌ مـثـلـمـا خَـفَـري؟
ومـثـلُ تـبـتُّـلـي فـي غـرَّةِ الـسَّـحَـرِ؟
بـلـى قـدَرٌ
ولا مـنـجـىً مـن الـقَـدَرِ!



