الثلاثة الكبار والحقيقة المسكوت عنها !
ثمة حقيقة شكلت نفسها وفرضت سطوتها على واقعنا، نعرفها ونتلمس آثارها، ونعاني من تبعاتها، ومع ذلك ندور حولها؛ دون أن نتناولها بوضوح، وإذا تناولها بعضنا، فإن تناوله عادة ما يكون مبتورا..
لكي نتعرف على هذه الحقيقة بمرارتها، علينا أن نتذكر أن تعداد العراقيين غير معروف لحد الآن على وجه الدقة، وربما هذا أمر مقصود سياسيا في هذه المرحلة، لكنه ليس أقل من (37) مليون مواطن على أقل تقدير، والعراق أقدم مستوطنة للإنسان عرفتها البشرية، ومعنى هذا إنه يتوفر على كم تراكمي من الخبرات الحضارية، خبرات في كل المجالات تقريبا ما عدا الوصول الى القمر! اليوم الصورة معقدة جدا وتبدو شوهاء، وكأن العراقيين لا يمتلكون الحد الأدنى من الخبرة لتسيير أمورهم.
السبب في ذلك ليس العراقيين كشعب، إذ إنهم تصرفوا بحكمة، فلأجل أن يمضوا الى أمام، ويلحقوا بآخر عربة من قطار التقدم في أفضل الأحوال، إختاروا عددا من «المواطنين» لينهضوا بهذه المسؤولية، فـ «استنابوهم» وحملوهم الأمانة بمراسم؛ إقتضت من العراقيين أن يبذلوا دماءا طاهرة من أجلها..
غير أن «الساسة المستنابين» صاروا شيعا وأحزابا وكتلا وقوائم، ولهذه القوائم رؤساء «إستنابهم» الآخرون!
بالحقيقة تمخضت هذه العملية المعقدة سياسيا، عن ثلاثة رجال فقط! أما الباقون فهم ليس إلا أتباعاً..! ومع أن الثلاثة كانوا من أعمدة المعارضة لنظام القهر الصدامي، لكنهم يختلفون فيما بينهم إختلافا جوهريا، في الصفات وفي الأطروحات والتطلعات..تلك هي الحقيقة المسكوت عنها، وهي أم المشاكل..!
لذلك وبلا مقدمات؛ لأن الأمر ليس بحاجة لها، نقول إن العراقيين ليسوا متفائلين؛ بشأن ما يطرح في الساحة السياسية..فقد مضى وقت ليس بالقليل على الأزمة السياسية الراهنة، دون أن نلمس تقدما ولو ضئيلا نحو الحل، والسبب يكمن في اخطاء مؤسسية في العملية السياسية، أخطاء تصميمية، وأخطاء تنفيذية، وقبلها بنيوية تتعلق بالدستور..
ما مطروح الآن؛ لا يعدو أن يكون إستنفادا للوقت، ريثما « يمل» أحد أطراف الصراع من لعبة الصراع!
ما مطروح اليوم لا يتوفر على مفهوم حقيقي؛ للعمل السياسي الإحترافي المثمر، بل يمكننا القول إن المترشح منه، يمكن وصفه بالرتق والترقيع..رتق الفتوق وترقيع الثقوب..!
الحراك السياسي المطروح الآن، لم يتناهَ عنه الى مسامعنا منه، رؤية واضحة محددة من أي من الساسة، وحتى القريبين من دوائر صنع القرار، ومنهم كاتب هذه السطور قريب جدا، لا يعرفون ماذا يحدث غدا؟، لأن صناع القرار السياسي أنفسهم لا يعرفون ذلك، وما مطروح لا يعدو أن يكون مفردات عائمة في غيوم فارغة، هي أقرب الى سحب الصيف، التي لا يرتجى منها مطر يروي تربتنا العطشى.
الحراك السياسي الدائر اليوم، لم يقارب أبدا أس مشكلاتنا الحقيقية: الفساد المستشري حتى وصل الى نخاع عظامنا..الكهرباء التي سئمت أقلامنا؛ تكرار الكتابة عن أزمتها المستدامة..الأمن الذي يمسكه من لا يريد أمنا..البطالة التي باتت الرافد الكبير للعنصر البشري للإرهاب..السكن في بيوت الصفيح ومجمعات الحواسم..نظم التعليم البائسة ومدارس الطين..علاقاتنا الخارجية التي تحكمها إرادات غير وطنية..إقتصاد ريعي على النفط والنفط فقط..قضاء لا يعرف أين يضع قدمه، تتقاذفه الأمواج وتهزه عواصف السياسة، فيحول ذلك دون حصول المظلومين على حقوقهم..
كلام قبل السلام: القائمة تطول، وهي قائمة الميادين الحقيقية للعمل السياسي، هل تريدون أن نسمي لكم الثلاثة الكبار؟!
سلام..
قاسم العجرش



