مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم
مَا تَزال الذاكرة الوَطَنيّة المشبعة بويلاتِ الحروب العبثية حاضرة لِمَنْ اكتوى بنيرانِها، وَتأثر بمعطياتِها الَّتِي أصابت السواد الأعظم بالتصدعِ وَالتشظي، وَخذلت أماني الحالمين بمستقبلٍ زاهر للبلادِ يتجول فِيه السلام وَتتناثر فِي فضاءاتِه ضحكات الطُفُولة السعيدة. وَعَلَى الرغمِ مِنْ سعةِ حجم تلك الذاكرة المتعبة، أراني مضطراً لاستذكارِ واحدة مِنْ إحدى ملفاتها الَّتِي مَا تَزال طرية فِي ذهنِ السَماويّ يحيى، حيث كُتَب لشقيقِه الأوسط «محمد» أنْ يكون معه فِي نفسِ وَحدته العسكرية أيام مطحنة حرب الخليج الأولى، وَالَّذِي كان وقتها بحسبِه: «شاباً مفرط الجمال، أشقر، له عينان أكثر خضرة مِنْ عشبِ الربيع، قويّ مثل المكوار، رشيق مثل الفالة». وَلعلَه مِن المفيدِ الإشارة هُنَا إلى أنَّ «المكَوار» الَّذِي يُعَدّ اليوم مِن الموروثاتِ الشعبية العراقية، كان فيما مضى مِن الزمانِ السلاح الدفاعي الشخصي الفردي الأقوى بَيْنَ يدي الفلاحين فِي الريفِ العراقي. كذلك كانت الفالة أداة فعالة للصيد ابتكرها أهل العراق القدامى عوضاً عَن الرمح، فضلاً عَنْ كونِها سلاحاً فعالاً أيضاً لدى الفلاحين، وَهي عبارة عَنْ آلة حديدية لَهَا ثلاث شعب قبل أنْ تصبح بخمسة أصابع عَلَى شكلِ كف، وَفِي نهايةِ كُلِّ أصبع يوجد نتوء معاكس، فِإذا غرست الفالة فِي جسمٍ مَا، لا يمكن اخراجها أبداً إلا بعد تمزيق اللحم. وَيجري تركيب تلك الأداة الحديدية عَلَى ذراعٍ طويل مِن البردي الَّذِي يتم الحصول عَليه مِنْ منطقةِ الأهوار، وَهو الأمر الَّذِي جعل مدن العراق الجنوبية المحاذية أو القريبة مِن الأهوار تختصّ فِي صناعتِها. وَلشدةِ أثرها فِي إيقاعِ الاذى؛ اعتمدها أحد الشعراء الشعبيين فِي نظمِ هَذَا البيت الدارمي:
يا لتنشد اعلة الحال حالي اعلة حالة
سمجة وشحيح الماي وبظهري فالة
وَمِنْ المعلومِ أنَّ الثوارَ العراقيين اعتمدوا الفالة، إلى جانبِ المكَوار فِي معاركِ ثورةِ العشرين، واللذان أرعبا جنود الاحتلال البريطاني وَأصبحا مِنْ رموزِ تلك الثورة التحررية، حيث كانا يشكلان أعمدة الأهازيج الَّتِي أطلقها ثوار عشائر الفرات الاوسط. ولعلَّ مِنْ بَيْنَها مَا ارتجله مهوال «الأمس» بعد أنْ أنبت الثوار الفالة فِي ظهرِ أحد جنود العدو البريطاني وَحملوه جماعته وَهي مغروزة فِي ظهرِه بقولِه: «مشكول الذمة اعلة الفالة»، وأخرى «رد فالتنا احتاجيناها»!
خلال معارك «بسيتين» فِي عامِ 1982م، حدث أنْ ارسل آمر مفرزة التصليح الملازم أول عبد مسلم درو ـ الَّذِي ينحدر مَنْ أريافِ الديوانية ـ أحد جنود مفرزته لإحضارِ السَماويّ مِنْ أجلِ إبلاغه ضرورةِ مراجعة مستشفى البصرة؛ لمعاينةِ أخيه محمد الَّذِي يرقد هناك بسببِ إصابته. وَحين وصل السَماوي المستشفى وجد أخاه قد بُتِرت ساقه مَنْ فوقِ الركبة، وكان يرقد إلى جانبِه جندي مقطوع الساقين، بالإضافةِ إلى جرحى كثيرين. وَالْمُلْفِت أَنَّ السَماويَّ لَمْ يتحمل هول المنظر الَّذِي ربما لِمْ يتح لَه فرصةً لالتقاطِ أنفاسه، فاستدار إلى معاونٍ طبيّ «مضمد» كان موجوداً فِي الردهةِ وَسأله بصوتٍ واضح وَمسموع بفعلِ الصدمة: «هل يوجد مَا بَيْنَ هؤلاء الجرحى جريح واحد مِنْ أهالي العوجى، وَهل يوجد مَا بَيْنَهم إبن مسؤول مِنْ مسؤولي حزب البعث؟ وَفِي اليوم التالي فوجئ السَماويّ بوصول والده البصرة، ليس لأجلِ زيارة شقيقه محمد، إنما ليأخذَ له إجازة مَنْ وحدتِه العسكرية كي يذهب معه إلى مدينةِ العمارة؛ لتسلمِ جثة خاله «رسول» الَّذِي دهست سيارتَه ناقلةُ دبابات فقتلته هو وَرفيقه المهندس الَّذِي يشرف عَلَى مقاولاتِه.
فــيــا لــلـهِ مـن قــلــبـي وخِـلـِّـي
كــأنــهــمــا: عــذابـاتـي أرادا!
ويـا لـلـهِ مـن جُــرحٍ عَــصِـيٍّ
أبـى إلا الـبــتـولَ لـهُ ضِــمـادا
ويـا لـلـهِ مـن صَــبــرٍ تـسـلـّـى
بـصَـبٍّ إنْ مـشى طلَـبَ الـسِّـنـادا
ويـا لـلـهِ مـمـا بــتُّ أخــشــى
إذِ الأيــامُ قـارَبَـتِ الــنِّــفـــادا!
أمـاطِـلُ غـربـتـيَّ بـأرضِ لـغـوٍ
وأسـتـجـدي مـن الأصـواتِ ضـادا!
يُـقـاتِـلـنـي هَـوايَ فـلـيسَ يـرضى
جـنـوحـاً لـلـسـلامِ ولا حِـيـادا!
أنـا الـراعـي.. خِـرافي ذكـريـاتٌ
وبـسـتـاني صِـباً لـن يُـســتـعــادا!
أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ فِي هَذِه الحكاية الَّتِي تدمي القلوب، وتذكرنا بأيامِ المحنة فِي زمنِ الطغيان، هو أَنَّ أبَاه كان يومذاك مريضا؛ لذا لَمْ يكن بمقدورِ السَماويّ إخباره عَنْ إصابةِ شقيقيه. وَحين عادوا بجثمانِ خاله إلى مدينةِ السَماوة، كانت المفاجأة الصادمة الَّتِي تسببتْ فِي إصابتِه وَمَنْ أسره بتلك التفاصيل – مِنْ العائلة أو الأصدقاء – بحالةِ ذهول، حيث وجد شقيقته «أم نوفل» فِي بيتِ وَالده قادمة مِنْ بغداد؛ لأجلِ إخبارهم عَنْ حصولِها عَلَى معلومةٍ تفيد بأنَّ زوجَها المناضل المعتقل لأسبابٍ سِّياسيَّة ربما تمت إذابته بحامضِ الكبريتيك المركز. وَممَا هو جدير بالإشارةِ أنَّ الأيامَ أثبتت صِحة هّذَا الأمر حين فشل أبناؤه بالعثورِ عَلَى رفاتِه فِي كُلِّ «المقابر الجماعية» كمَا هو حال الكثير مِنْ أبناء شعبنَا المبتلى. وَأَدْهَى مِنْ ذلك مَا تعرض لَه السَماويّ حين عاد إلى وحدتِه، حيث أخضع للتحقيقِ عَمَا قاله فِي المستشفى وَهو بحالةِ غضب. وَكان يمكن أنْ يكون ضحية أخرى وَيلحق بقوافلِ المغيبين، لولا الموقف النبيل الَّذِي وقفه لأجله الملازم أول عبد مسلم درو، وَالَّذِي يُعدّه السَماويّ أحد أشرف الضباط الَّذين عرفهم فِي حياته، فضلاً عَنْ العقيد محسن علي عكلة، أحد أبناء مدينته، وَالَّذِي كان يومها ضابط التوجيه السياسي للقواتِ البحرية ومسؤول التنظيم العسكري فِيها، بالإضافةِ إلى كونِه شاعراً شعبياً جيداً، للسَماويّ يحيى علاقة صداقة به.
وبـيـتٌ كان من طـيـنٍ وســعـفٍ
حَـبـوتُ بـهِ مـع الـعُـشـبِ اتـِّـحـادا
وكـنـتُ أقـودُ قِـطـعـانـي وئـيـداً
فـصـرنَ الـيـومَ يـأبَـيـن انـقـيـادا
يـُوَسِّـدنـي طيوفَ الأهـلِ شوقٌ
فـتـحـرمـنـي مَـدامـعُـهـا الوِسـادا!
فـيا ملحَ الـهـوى ـ يا صبرُ ـ عـندي
جـمـوعٌ مـن هـمـومٍ لا فـرادى!
ويا مـلـحَ الهـوى ـ يا صـبرُ ـ عِـدنـي
بـيـومٍ لا أرى فــيـهِ الــصِّــفــادا
ويا مـلـحَ الهوى ـ يا صبرُ ـ هلْ مِـنْ
عــراقٍ ذي نـعـيـمٍ لا يُــعــادى؟
تـَعِـبـنـا يـا عـراقُ.. وأتـْعَـبَـتـنـا
رُحـى الأيــامِ أدْمَـنـَتِ الـحِـدادا!
أرانـي قـد وَهـنـتُ وكـاد يـبـلـى
قـمـيـصُ تجـلـُّدي والـعـمـرُ كادا!
فـيـا نـهـرَ الـفـراتِ ألا ريـاحٌ
فـتـأتـي بـالـسـفـيـن وقد تـهـادى؟
وإنْ حَمَـلَ الـسـفـينُ جمـيعَ قـومي
أيـحـمـلُ في عَــنـابـرهِ الــبـلادا؟
يُـقـالُ تـغـيَّـرتْ ما عـاد فـيـهـا
هوىً يُـفـدى ولا خِـلٌّ يُـنـادى!
وأنَّ كـريـمـهـا الـتـنـُّورَ أضـحـى
عـقـيـمَ الـجـمـرِ يستـجـدي الـرَّمادا!
ذات وجع عند ضفاف الفجر، غادر السَماويّ يحيى مكتبه إلى حديقةِ منزله فِي بلادٍ موقعها خلف الشمس؛ لأجلِ أنْ يتأكدَ مِنْ أنَّ العصافيرَ قد استفاقت مِنْ نومِها، لكنه فوجئ بشجرةِ زهور الليلي قد لفظت بياضها، فتذكر أنَّه لَمْ يرتشف نداها منذ أيام عديدة كعادته كُلّ فجر، فحزن حزناً حقيقياً، ليس لأنَّه سيحرم مِنْ ارتشافِ الندى، إنمَا لأنَّ الفراشات ستظمأ، فتيقنتُ مِنْ أنَّ السَماويَّ، فضلاً عَنْ كونِه علامة فارقة فِي الأدبِ وَالشِّعْر وَالإبداع، فهو إنْسَان نبيل يتمتع بمعانٍ إنسانيَّة رائعة منذ أنْ كان يقتسم فِي الزمنِ المرّ الضحكة وَالدمعة وَالحلم وَالوجع وَأرغفة الخبز مَعَ أصدقائه وأحبّته.



