النسخة الرقميةثقافية

«إن تتهمي فتهامةٌ وطني» المجهول في المدوّنة العربية.. القصيدة اليتيمة أنموذجاً

القسم الاول

د. وليد جاسم الزبيدي

آلكلام المكتوب يتبع الكلام المنطوق، أم ان الكلام المنطوق هو الذي يتبع المكتوب؟ فهل هذه إشكالية قائمة في اللغة العربية وفي الكثير من لغات العالم، خاصة بوجود لهجات عامية كثيرة في لغة أي مجتمع؟ في لغتنا العربية الفصحى والمتفق عليها بيننا نحن العرب، فإن الكلام المكتوب يتبع الكلام المتفق عليه عربياً على انه لغة عربية فصحى.المجهول، قلقُ الإنسان الأزلي، الخوف الذي لازمهُ وأرّقهُ وابتدع له صوراً وفلسفةً، وقد كان في سفرهِ منذ بداية الخليقة على الأرض. وهكذا انعكس في نتاج الإنسان الفكري والمادي، فكانت المجاهيلُ تتسعُ وتكبرُ مع كل تقدّم في الزمان وتطوّر في المكان، بل اتّخذَ المجهولُ صوراً مختلفةً ومتعدّدةً في كل عصر وفي كل مجتمع ينحتُ في العقول والقلوب كما الفرشاة والصخر والخشب والصحف صور السواد والضباب، فتتضخمُ علامات الإستفهام، ويظل هذا المشروع محرّكاً وحراكاً للنشاط الإنساني الذي تدور طواحينه ونواعيره في سبيل الكشف والإختراع والإبداع والتنوير والإشراق.
حتى جاءت الحركاتُ والنظرياتُ والقوانينُ والمبادئ كي تفتحَ أبواباً أو تقيم حصوناً وأسواراً لتحمي الكائن من الغيب والغياب، والظلام والغد، وفلسفات الموت وما بعد الموت. المجهولُ وُلدَ مع أو قبل ولادة الكائن، والقارئ يعلمُ منذ أوّل حرف سومري، كان المجهولُ موجوداً، وكانت (جلجامش) تبحثُ عن المجهول، وكانت أساطيرُ سومر وبابل ومصر واليونان، فلسفات تبحثُ عن أسرار، وعن مجاهيل في أنفاق مظلمة، في كهوف عصيّة، حاولَ الكائنُ أن يجسّدَ هذا المجهول في صور ويشخصنها، ويعلّمها على جدران الكهوف، ثم تطورَ تفكيره في المجهول ليلازمه مع الحرف والكتابة في خرافاته وأساطيره وحكاياته ومروياته، فكانت مدوّنات كل عصر انعكاساً لكبر حجم هذا المجهول ورمزيته وشخصنته التي تنبعث فتأخذ أشكالاً محدّدةً تارةً أو هلاميةً أو طوطميةً مرةً أخرى.
تتعدّدُ المدوّناتُ لتكون بعد ألحرف، أشكالاً في لوحات أو تماثيل تشمخ بهيآت مختلفة على صورة رجل أو إمرأة أو حيوان أو أشكال معمارية أو هندسية، يجعلها الكائن في بوابات المدن، وقُرب المعابد أو فيها، وعلى ضفاف الأنهار، أو فوق القمم والمرتفعات، لأنه يرى المجهول قد يكون في الشمس أو في الصحراء وفي الماء، حسب فلفسته ونبوءته، فتندرج الإسطورةُ والنتاج الفكري والأدبي والعلمي في إطار معتقد عصره، ومعتقدات مجتمعه. وصلَ إلينا منذ عصر الكتابة نتاج ضخم من الفكر الإنساني، لكنّ هذا النتاج لا يحمل ـ في معظمه ـ اسم المؤلف أو إسم المنتج، وهذا ما تقرأهُ في أدب سومر وبابل، ومصر الفراعنة، واليونان، أو تجدُ نتاجاً يحملُ اسم المؤلف دون ذكر العنوان، وقد تجدُ صحفاً ومخطوطاتٍ فيها خرم كبير بفعل فاعل (إنسان أو طبيعة)..فيظل المجهول غائرا في ذلك الأثر قروناً وعصوراً ينبش في كبد الحقيقة.
وقد يفسّرُ بعضُ الباحثين والمفكرين أن السبب في المجهول ضمن النتاج الفكري في عصر سومر وبابل يولدُ من معتقدٍ ديني أفرزته المرحلة ذاتها إبّان ذلك الزمن حيث أن الكائن يعمل وينتج (نحتا، رسماً، كتابةً) ليكون نتاجه قرباناً للآلهة، ولمرضاتها، ولإبعاد غضبها عنه، لذلك كانت المدوّنةُ غير مشفوعة بإسم صاحبها أو كاتبها. وأرى أن هذا الرأي يقابله رأي آخر يسوّغه العقل والمنطق، فالإنسان بفطرته (أنوي) يخطّ إسمه على كل مكان يوجد فيه أو يمتلكه من أدواته ومقتنياته منذ الأزل، بل تجد كل بناء وفي كل حجر يضعه عليه علامة أو رمز أو كتابة تشير إلى الكائن في تلك الحقبة، وأسماء من عملوا معه والمناسبة وأحيانا التاريخ، فاستمر هذا التقليد (الأنوي) ليومنا هذا.. فما من كائنٍ يعملُ عملاً لطلب مرضاة الآلهة أو الرب دون أن يذكرَ اسمه أو رمزه كي يكون وحده المقصود بالغفران.
وفي عصر ما قبل الإسلام (العصر الجاهلي)، طُمس العديدُ من المدوّنات، وكان المجهول غولاً كبيراً، فوصلتنا مدوّنات معدودة، لعصر قد يمتد لأكثر من مئة وخمسين سنة، فكانت المعلّقات، المشكوك بصحتها ونسبتها، والتي لم تُترك على حالها بل أصابتها الإضافة والشطب من الرواة والإخباريين، فتجد لكل مدوّنةٍ أكثر من رواية في عصر شفاهي وكتابي ارتبط بالأصنام والأوثان وتقاليد القبيلة. تمرّ السنون والعصور، فيكبُرُ المجهول، وتكبرُ معه المدوّنات لتصبحَ تراثاً ضخماً، فنجد العديد من المخطوطات من القصائد والدواوين والمدوّنات في شتى العلوم والمعارف، مجهولة المؤلف؟ وكثيراً ما نجد في بطون أمات الكتب عبارة(وقالَ الشاعر) دون ذكر اسمه!
اتّسمَ النتاج الأدبي العربي، إبّان عصوره الأولى ومراحل ازدهاره، كونه نتاجاً غنائياً وجدانياً، فيه الأحاسيس، وفيه قساوة الصحراء، وشظف العيش، وفيه الرّقة التي تسطع في ضوء لمعان السيف، فيه الغزل الذي يولدُ تحت سنابك الخيل، وفيه الصوت الحاد المدوّي في ليلٍ يمتدّ كأنه الناقة أو كموج البحر.. وكانت المزاجية العربية المنفعلة الحادّة القاسية هي التي تؤشر وتنقد هذا النّص أو ذاك، هذا الصوت أو ذلك الوجه، حتى القرار أو الحكومة للناقد أو الشاعر أو المستمع أو المتذوّق ارتبط بهذا المزاج المتقلب المنفعل، كتقلب جو الصحراء أو أحوال الناس المعاشية والتجارية، فتسمع أو تقرأ: «هذا أشعر الناس»، «وأشعر العرب»، «وأشعر أهل جلدتك»، وهكذا وضع الأقدمون الناس طبقات في كتبهم وتصانيفهم.
حكاية القصيدة
تُصنّف قصيدة (اليتيمة) على إنها من روائع ما قِيل في الشعر العربي.. وسُميّت بأسماء أخرى منها (دعد) و(هند)، وهذه القصيدة لها قصةٌ جميلةٌ ايضاً.
وقِصتُها عن أميرة (أو ملكة) في اليمن، دَعَت الشعراء مِمن يتمتعون بالفصاحةِ والبلاغة إلى التباري في مدحِها ووصفِها، فقد كانت رائعةَ الجمال.. فصيحةَ اللغة.. بليغةَ المنطق، على أن تتزوج صاحبَ أجودَ وأجملَ قصيدةٍ في وصفها. استحثَّّ ذلك قرائحَ الشعراء، ونظـموا فيها قصائدهم فلم يُعجبها منها شيء، وشاع خبرُها في أنحاء الجزيرةِ العربية، إلى أن جاء أحد الشعراء، وكان قد عَرف جمال الملكة، فنظم لها قصيدةً جميلةً جداً تصف الأميرة مِن رأسِها إلى أخمصِ قدميها.
وبينما هو في طريقه إلى اليمن، قابله شخصٌ وصاحَبَه في سفره، وحين سأله عن وجهته، قال الشاعر بأنه ذاهبٌ ليعرضَ قصيدته على الملكة.. ثم قرأ القصيدة أمامه، فأُعجب بها هذا الغريب أيما إعجاب. وفي الليل قامَ الشخص الغريب بقتلِ هذا الشاعر وأخذ قصيدته وتوجّه بها إلى الأميرة، وقصد ديار الملكة اليمنية ليلقيها بين يديها لعلها تكون سبباً للفوز بقلبِها والزواجِ منها وهو الهدف المنشود. وقف صاحبنا بين يدي الملكة وأخذ يلقي عليها القصيدة، ولكن المفاجأة كانت عندما أنشد البيت:
إن تتهمي فتهامةٌ وطني
أو تنجدي يكن الهوى نجدُ
حينها صرخت الأميرة (وا بعلاه.. وا بعلاه. لقد قتل هذا الرجل زوجي المرتقب) وتجمّع الحرس والحاشية وأخذوا يستفهمون ويتساءلون: ما الخبر؟ فشرحت لهم أن شاعِرها مِن تهامة لقوله (إن تتهمي فتهامة وطني).. بينما مُنشدها مِن نجد حسب ما يوحي لسانه بذلك والشطر الثاني من البيت! فأمسكوا بالرجل المنشد وضيّقوا عليه الخناق، فاعترف بما حدث فقتلوه. وللأسف لم يكن يُعرف اسم شاعر القصيدة الحقيقي قبل قتله، ولذا لم يعرف لها قائل مؤكد. وهذه الحكاية إسطورة لعلها تميل إلى الخيال في القص الشعبي، وقد رفضها عدد من الباحثين المعاصرين. وقد وردت هذه القصة ونقلها (زيدان في مجلة الهلال ـ المجلد 14/ سنة 1905م، ص 174).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى