العراق مهد النبوءات وأرض الحضارات الشاعر السوري د.أديب يوسف: نلجأ إلى الفانتازيا التاريخية تهرّباً من الإحراج

المراقب العراقي/ سهى الطائي
حينَ يخطُ القصيدة طبيبٌ يداويها بالإبداع قبل الداء؛ يترنمُ على أبياتها شغفاً فتولد دون عناء ؛ ليجسدها تارةً بشعرٍ وتارةً أخرى بقصة طافت الأهوار البيضاء دونَ سواد؛ فيسبقها برحلة الى دنيا الخُلود بعيدةً كل البعدٍ عن ناصيةِ الشيطان! وحين قرّبت سماؤنا الزرقاء بُعدنا اِلتقينا لنتعرف على طبيبنا الماهر وأديبنا المائز عن كثب. هو من مواليد الشيوخ ـ حلب عام 7791 متزوج وعنده أربعة أطفال. خريج كلية الطب البشري لعام 4002، تخصص في طب الأطفال عام 9002، وحائز على العديد من الجوائز السورية في الشعر والقصة القصيرة.مراسل صحفي لجريدة المسيرة السورية لعدة سنوات، وله ثلاثة كتب مطبوعة هي: (الملحمة الصغرى ـ رحلة الخلود ـ فانتازيا تاريخية) ,(الملحمة الوسطى – الأهوار المظلمة – رواية تاريخية تتحدث عن العراق) و(ناصية الشيطان – رواية معاصرة)، وكتاب جديد قيد الطبع بعنوان (من هنا مرت السيدة مالوان).
* كيف جمعت بين الطب والشعر؟ و أ داوتك القصيدة أم داويتها أنت؟
ـ لا بدَّ من الارتداد إلى البداية، ولعلَّ في الارتداد تأصيلاً للحقيقة الضائعة وتأسيساً لما هو آت. قصتي تبدأ ونهر الفرات ورجلان افترشا الارض عند ضفته اليسرى وجعلا من جرف عالٍ لهما مقعدا، من خلفهما شتلات القطن الأخضر تحمل أجراسا يانعة تضم بين حناياها حلما قطنيا أبيض. سأل أحد الرجلين شريكه في الحقل: أي اسم تختاره لمولودك المنتظر إن كان المولود ذكرا؟ رد أبي وكان يعلم في قرارة نفسه مغزى السؤال: لا بد وأنك تريد الاستئناس برأيي لتسمية مولودك المنتظر فكلانا يعلم أن حمل زوجتينا حدث في المدة نفسها، وأن ولادة الطفلين ستكون جداً متقاربة، سأسرّ لك ما يدور في خاطري، وقبل ذلك لينتقي كل منا حجرة مناسبة لنرميها صوب النهر!
وأردف والدي موضحا: عندي اسمان مناسبان لمولودين ذكرين، وجميلان كما أعتقد، من تسبق حجرته حجرة الآخر يختار اسم أديب لمولوده القادم، ومن تتأخر حجرته عن أختها يبقَ له الاسم الآخر وهو عدنان. وألقى الرجلان وكان حجر أبي هو السابق! ولتأكيد السبق، وحتى لا يحتج صديق أبي على الاقتراع الجائر سبقت أمي أم عدنان بالولادة، وكان الفارق الزمني بينهما مقاس حجرة من الوقت، لقد سمتني الطبيعة إذا اسمي هذا «أديب». نعم ولدت في بيئة فراتية لها من الإيمانيات الما ورائية ما لها وهنا يكمن السر في ملحمة الخلود.
* لاحظتُ من خلال معرفتي بك حبك الشديد لمهنتك، فأيهما أقرب لقلبك الأدب أم الطب؟
ـ كحال طفل فراتي أريد له أن يكون شغوفا بالعلم محبا للكتاب، فكان أن ألقي جذمور حبله السري الجاف بعد سقوطه فوق سطح المدرسة الابتدائية المجاورة لمنزل العائلة، تيمناً بأن يكون هذا المولود من محبي الدراسة وهذه العادة الطقوسية، ما زالت تمارس في مناطقنا الريفية البسيطة. نشأت في أسرة تقدر العلم حق قدره فكنت الطالب المتفوق الذي نال الدرجة الأولى في كل مراحله الدراسية، وكان هذا الأمر سبباً من أسباب دخولي كلية الطب التي تحتاج لأعلى العلامات لدخولها. ذلك الطفل المتفوق تعلم آداب اللغة العربية وعلومها وفنونها في سن مبكرة فقد علمني أخي الشاعر سليمان يوسف (رحمه الله) البحور الشعرية وعلم العروض وأنا مازلت في سن العاشرة وفي الصف الخامس قرضت أول قصيد لي ومما أتذكره من أبيات وبما فيه من أخطاء وهنات:
يا عمتي يا غالية
هل من لقاء ثانية؟
تلك الزهور الغافية
مالت علينا حانية
أبقت سنا وراءها
كالشمس صارت طافية
ومن الأسباب التي دفعتني أيضا لدراسة الطب وجودي في بيئة كانت تمارس فيها بعض الطقوس الغريبة والمتوارثة لحل المشكلات الطبية الطارئة في ظل غياب الأطباء في تلك المنطقة النائية في الشمال السوري المهمل. فقد دأب الناس على زيارة جدتي من أمي لعلاج الكثير من الآفات الجلدية المستعصية وسواها، فنشأت وأنا أرى المرضى يتقاطرون من أصقاع بعيدة إلى بلدة الشيوخ لعلاج الحزاز والصداقة وسعفات الرأس والحاصات البقعية والشاملة عند جدتي. جدتي كما يقال امتلكت قوة سحرية بلعابها الشافي، حازت عليها عندما لحست ذات طفولة وذات تحد مع قريناتها المتعجبات لسان ضب كان يسترخي نائما عند الغدير.
كنت في حيرة الطفل الذي يعيش في عالمه السحري الخاص لكنه يبحث عن أجوبة صحيحة لما يدور من حوله عندما قلت لنفسي: إن كان لكل سبب مسبب فلا بدّ من ربط العلة بالمعلول وإن كان هنالك من طب وتطبيب فلا مناص من دراسة الطب، عندها لم أجد حيلة لي سوى التبحر في العلم لإيجاد ذلك المجداف الذي سيصل بقاربي الحائر إلى شاطئ الحقيقة، لذلك انحزت إلى جزيرة الطب أبحث بين شماريخ نخلاتها عن أجوبة شافية.
وما زلت أتذكر النقاش الذي دار بيني وبين أخي الشاعر (رحمه الله) عندما قال لي: لن أخاف على موهبتك الأدبية من بنات أبقراط وجالينوس وابن حيان، وأنا على علم بأن كثيراً من الأدباء والشعراء المتميزين كانوا في الوقت نفسه أطباء مثل تشيخوف وعبد السلام العجيلي والبارودي وسواهم الكثير الكثير. في السنة الأولى لدخولي كلية الطب حزت على المرتبة الأولى مناصفة في جائزة اتحاد الكتاب العرب في القصة القصيرة وهكذا تحققت نبوءة أخي سيلمان.
* بين ثلاثة إصدارات لابداعك، أوقفت حائرا يوماً ما في تفضيلك لاحداهن؟
ـ صدر لي حتى هذه اللحظة ثلاثة كتب وهي: الملحمة الصغرى «رحلة الخلود»، الملحمة الوسطى «الأهوار المظلمة»، وهما جزءان اثنان من عشرة أجزاء تندرج ضمن سلسلة الملحمة ستصدر تباعاً باذن الله تعالى، والكتاب الثالث هو رواية «ناصية الشيطان»، وهي رواية عصرية مستقلة عن الكتب السابقة.
كل ما ينجز يصبح عندي من الماضي باهت اللون يشبه سواه، أتركه خلفي بحثاً عن جديد، وهذا السبب وراء عدم تفضيلي لكتاب على حساب آخر، وهو الحافز والمحفز للبحث عن جديد ربما اتوخى منه تجاوز نفسي وتجاوز الكتب السابقة. وهأنا الآن للسبب نفسه في طور وضع اللمسات الأخيرة على روايتي الجديدة «من هنا مرت السيدة مالوان»، وهي تتحدث عن مدتين زمنيتن متشابهتين يفصل بينهما قرن من الزمن بالتمام والكمال تقارب بين حياة أغاثا كريتسي «السيدة مالوان» التي زارت بلدتي في الشمال السوري وحياة لورانس العرب صديق زوجها الذي زار أول ما زار جرابلس والشيوخ وتعلم اللغة العربية هناك وبين ثورات الربيع العربي، وهذه الرواية ستصدر قريبا في تركيا.
* ما سر الأهوار في ملحمتك الوسطى؟ وهل تُهت بحرفك فيها؟
ـ الأهوار هي مسكن الطنطل والسعلوة والديو «كلمة ذات أصل فارسي» تعني الشرير، وتشير في الموروث الشعبي عندنا إلى حيوان خرافي أسطوري يشبه الغــــــول.
كل هذه الرموز التي استوطنت قاع ذاكرتنا ما زالت تجوس بين شطآن اللا وعي من ذاكرتنا الحسية والمتخلية لتفرض علينا نمطاً محدداً من ردّات الفعل تجاه المسائل العصرية المتشاكلة. في الأهوار تمازج للخضرة وإيلاف لتلاسن الماء مع شواطئ البر المتداخلة، وكل في مزيج عجيب يعتمل فيه الماضي ويجيش فيه الحاضر بحثاً عن حل لن نصل إليه قريبا ما دمنا نعيش في قمقم مارد لم تلمسه أنامل علاء الدين بعد.
في الأهوار حياة مظلمة ومصباح يبحث عمن يسرجه بفتيل، في الأهوار جندول خشبي يبحث عن ريح النعمان بن المنذر وعن شقائقه عسى إحداهن توقد نارا في ذي قار.
* أجدُ العراق حاضراً في أعمالك وتعاملك صِفْ لي صورته بقلبك قبل كتبك؟
ـ العراق أرض الحضارة ومهد النبوءات، له في قلبي حدائق معلقة لن تخبو فيها نيران نينوى أبداً. العراق التزام بعهود ذي الكفل عندما عاهد. وحول العراق سجلت على رقم فخاري أولى تهويداتي كما سجل سرجون الأكدي ولادة طفل حملته مياه الفرات إلى عتبات بيت آكي، وهناك ناظرته عشتار بإعجاب فرفعته من منزلة بستاني إلى وكيلها في الأرض ليكون سيد العالم في ذلك الزمان.
* سبع صنائع والبخت رائع! تحريف لمثل متداول اصفك من خلاله، أ مضيت للصحافة أم الصحافة مضت إليك؟
ـ الأمثال الشعبية بحد ذاتها تحمل موروث الشعوب وتنبئ عن مزاجه وحدة ذكائه في التعامل مع المواقف والحالات المتكررة، وإني لأرى في إعادة صياغتك لذلك المثل روحا عراقية أصيلة خفيفة الظل تتسم بالإبداع المتجدد. بالنسبة للصحافة مارستها وأنا فتى مراهق وخضت في غمارها خلال سني الشباب الأولى من خلال صحيفة المسيرة السورية وغيرها.
إلا أنني ابتعدت عنها فيما بعد بعد تخرجي من كلية الطب والتزامي بممارسة التطبيب كمهنة أخدم فيها أبناء بلدي وأعتاش منها. لكن هوى الصحافة ما زال يرواد نفسي كلما قرأت مقالا متميزا في جريدة. يمكنني القول بأن روح الكاتب أو الشاعر متمردة متوثبة ولن تهدأ على حال ما لم تخض غمار جميع التجارب المتاحة.
* لوحات كتبك بأيدي عراقية مبدعة، كيف تختار رسومات منجزاتك؟ وهل تعتقد أن الاسم مشكلة كبرى للكاتب؟
ـ لقد كان لي شرف التعاون مع تشكيليين عراقيين ومنهم الأستاذ الرائع محمد الحلو الذي زينت ريشته الأنيقة غلاف كتابي الأول «رحلة الخلود»، بينما كان لكتابي الثاني «الأهوار المظلمة/ ميزة تغليفه برسم رائع للفنان العراقي عبد الرضا الخطاط. إن وجود لمسات فنانين عراقيين على كتابين لي يشعرني بالفرح يغمرني بالامتنان للشعب العراقي العريق.
* ما الذي تعشقه في الفانتازيا التاريخية؟ وهل فكرت يوما أن تتخصص بالتأريخ بعيدا عن الطب؟
ـ نلجأ ربما إلى الفانتازيا التاريخية تهربا من الإحراج بإخراج حالة تاريخيــــة لا يمكن مسها بحلة جديدة تنبئ عن فهم عميق ومغاير لما هو سائد.
في الفانتازيا التاريخية يمكنك قول الحقيقة كاملة دون أن تمسك سكين أو يقتطع من نصك مقص رقيب. بإمكانك إسقاط كل ما فات على ما هو آت دون الحاجة لتبرير نفسك أمام محاكم التفتيش، لذلك لن أتصور نفسي أدخل محاريب التــاريخ من أبوابه المسبقة الصنع.



