المدونة
وفاء الفتلاوي
كانت تنظر الى خمسة كراسي داخل عيادة الطبيب يتناوب عليها من لا يتحمل الالم.. رجل يجلس وآخر يقوم وإمرأة تئنّ من الألم وأخرى تتفوه بكلمات غير مترابطة لتنهي ساعات الانتظار الطويلة برفقة أبناء صغار يلعبون وتارة يتخاصمون على قطع الحلوى، وتلك الكراسي باقية تتحمل أعباءاً وأوجاع الآخرين وأمنياتهم.كانت سكرتيرة الطبيب جافة قوية ظننتها للوهلة الأولى مثل الكراسي لشدة قساوتها وهي ترفع صوتها ممتعضة من الضجيج الذي يطلقه أطفال المراجعين.. دنوت منها قليلاً وابتسمت بوجهها رغم اوجاعها وخوفها من مفاجئة سيطرقها الطبيب، وحاولت الجلوس الى جانبها بحذر وهدوء كي لا تنتبه، فدققت النظر لوجهها لم ترَ سوى خطوط عريضة رسمت بفرشاة الألم وعينان انطفأ بهما الأمل وشفتان تتحسران على ما فاتها وعما تخبِئ لها الأيام، ورغم تلك القساوة في صوتها أحبته! نعم، أحبته كان فيه بحة وشجن الغناء القديم.
اقتربت منها أكثر وهي تنظر الى دفتر صغير يقال انه لحجز المواعيد وما زال الأطفال يلعبون؛ لكنها لم ترَ فيه أسماءاً مدونة سوى أسم واحد تحيط حوله دوائر كثيرة كدوامات البحر الهائج، وما إن وقعت عيناها على ما كتب انتفض قلبها وفزعت من مقامها، فانتبهت السكرتيرة لنظرات تلك المرأة فضحكت ضحكة دوّت في المكان حتى التفت إليها كل الموجودين وعم الصمت والسكون في ارجاء المكان، فهرعت الى خارج العيادة دون إدراك تلتفت يميناً وشمالا وذاك الاسم يترأى أمامها كالظل وهي ترتعش من تلك المدونة التي حملت أسمها فقط.
لملمت شتات نفسها وأخذت نفساً عميقاً ومع الزفير الذي أخرجته ببطء قررت العودة كي تحل لغز المدونة، فلم تجد سوى ذات الكراسي الخمسة خالية وجدران قديمة كستها لمحة سحرية بلوحات كلاسيكية ذات ألوان قاتمة مؤطرة تفوح منها عبق الماضي وأبواب مؤصدة بإقفال حديدية صدأة مع تقلبات السنين.
وبرغم قلة عدد القطع الموجودة في العيادة الا ان كل قطعة منها تستحق التأمل..فأخذت نفساً عميقاً وتبسمت راحلة.



