أين كنا وأين أصبحنا ؛ والى أين نسير ؟!
ونحن في طريقنا الى إنتخابات مجالس المحافظات، نجد أنه ليس عيبا أو خطأ، أن نراجع تجربتنا الديمقراطية، بل لا بد أن نفعل ذلك، لنصل الى ديمقراطية تطوعية ليست باهظة التكاليف، كما هو واقع اليوم..!
المراجعة ضرورية بين حين وآخر، حتى لا يصبح الخطأ مركبا، وبالتالي يصعب إصلاحه أو معالجة نتائجه، وكلما رسّخ الخطأ أقدامه على أرض الواقع، إكتسب شرعية البقاء من ديمومة تأثيره، وسيحتاج في نهاية المطاف؛ الى عملية جراحية معقّدة بتكاليف باهظة، ربما تفوق طاقتنا، وبذلك نتخلى عن محاولة الإصلاح، ويتفاقم الخطأ ليتحوَّل الى واقع معاش، يتعيّن علينا التعاطي معه والقبول به، كجزء من منظومة «الصحيح» وليس كـ»خطأ».
كنت أكتب إفتالحية إحدى صحفنا اليومية واسعة الإنتشار، ويومها لم يكن من عادتي كتابتها، إلا بعد أن أستنفد معظم يومي، وقلَّما دفعتها في وقت مبكر، والسبب ليس تقاعسا كما يعتقد زميلي مدير تحرير الصحيفة، ولا حشراً لهيأة التحرير في عنق زجاجة الوقت، كما قال لي كذا مرة زميلي رئيس التحرير.
لقد كنت افعل ذلك لأني أمضي الوقت، الذي يقع قبل إتمام تصميم الجريدة وإرسالها الى الطبع، في متابعة الأخبار و»التأمل « في مغازي بعضها، أو إنعكاسات بعضها الآخر، أو خلفية البعض الثالث..
قبل أيام قرأت خبرا وقفت عنده متأملا، ووجدته يصلح مادة لعمودي هذا، بعد أن توقف إصدار الصحيفة التي كنت أكتب إفتتاحيتها، لأسباب لسنا في إيرادها الآن.
الخبر يقول: أن أحد نواب مجلسنا النيابي العتيد، كشف عن وجود توجّه، لتخفيض عدد أعضاء مجالس المحافظات بشكل كبير جداً. بل أن النائب نفسه، أشار الى أن هناك مطالب أخرى، بإلغاء مجالس الأقضية والنواحي بالكامل!.(إنتهى الخبر).
بصرف النظر عن دوافع هذا التوجه، إذ إن بعض الدوافع تتعلق بتوجه مركزي، للحد من صلاحيات مجالس المحافظات، فيما يجد توجّهٌ آخرُ، أن ثمة ترهلا كبيرا، في أعداد أعضاء مجالس المحافظات، وأن نسبة التمثيل 1: 100000 متدنية جدا، ويتعين أن تزيد الى مستويات أعلى، مثلا كل 250000 أو أقل أو أكثر، يمثلهم عضو واحد، لتكون النتيجة خفضا لأعداد الأعضاء.
لعمري إن هذا المقترح، جدير بالتأمل والوقوف عنده، فهو من جانب يعالج الإستنزاف المالي، الذي تشكله رواتب ومخصصات ونفقات، إدارة وتشغيل وخدمة وإمتيازات وتقاعد، هذا الكم الهائل من الأعضاء، وهو كما هو معروف إستنزاف فاق المعقول والمقبول، وجعل المواطنين يرون أن ديمقراطيتنا، تتميز بتكلفة مالية عالية، لاسيما أن كثيراً من الأعضاء، ليسوا منتجين أو فاعلين على أقل تقدير.
من جانب آخر أجد هذا المقترح مفيدا، وسيُرشِد العملية الديمقراطية الى مستويات منطقية، تجعلها عملية خادمة لا مخدومة، قابلة للتفاعل وتحدُّ من مستويات الخلافات والإستقطابات السياسية، فضلا عن أن هذا التوجه سيخفف الأعباء الإدارية، ويؤطرها بأطر معقولة، بدلا من التسيب الكبير الناتج عن ضخامة أعداد الأعضاء.
كلام قبل السلام: فيما يتعلق بمقترح إلغاء مجالس الأقضية والنواحي، فهو مقترح يحتاج الى إغناء وإعمال التفكير، والبحث عن بدائل مناسبة، لكن يجب أن يخلص الى نتيجة حاسمة، مؤداها أن العمل في هكذا نشاطات، يجب أن يكون عملا تطوعيا بلا رواتب أو إمتيازات، وعند ذاك لن يتزاحم عليه المتزاحمون..!
سلام…
قاسم العجرش



