النسخة الرقميةثقافية

الدراسات الصوتية واقعاً ومنهجاً

1

د. علي حسن مزبان

بعد تطوّر الدراسات اللغوية في أوربا وتعدّد مناهجها الحديثة, نقل لنا بعض هذه المناهج الأساتذة الأفاضل الذين تلمذوا للغربيين سواء في المدرسة الإنجليزية أم المدرسة الألمانية, وبدا هذا واضحاً في كتاباتهم وبخاصّةٍ في الدراسات الصوتية فكان كتاب المرحوم الدكتور إبراهيم أنيس (الأصوات اللغويّة) هو أوّل كتاب حديث أُلِفَ في علم الأصوات عند المحدثين تناول فيه المؤلِّف تشريحا للجهاز الصوتي وكلاماً على مخارج الأصوات وصفاتها بين القدماء والمحدثين وعرض لقضايا صوتية مهمّة فاتت القدماء كالنبر والتنغيم والمقطع الصوتي. وتوالتِ التآليف الصوتية كعلم اللغة للدكتور محمود السعران ودراسة الصوت اللغوي للدكتور أحمد مختار عمر وعلم اللغة العام (الأصوات) للدكتور كمال محمد بشر وفي علم اللغة العام للدكتور عبد الصبور شاهين وغيرها من كتب المحدثين.
وإذا تفحّصنا الجهود الصوتية لعلمائنا العرب وجدنا جهود العالم العربي الخليل بن أحمد الفراهيدي بارزة في مقدّمة كتابه (العين), وكذلك ما نقله تلميذه سيبويه في الجزء الرابع من كتابه (الكتاب), ثمّ جاء العالم أبو الفتح عثمان بن جنّي الموصلي ليطوّر الدرس الصوتي من خلال كتابيه (سرّ صناعة الإعراب) و(الخصائص), وتعدّ هذه الجهود المبكّرة فتحاً كبيراً قياساً لما توصّل إليه المحدثون لعدم توافر الآلات الحديثة والمجاهر فكانت تلك الدراسات وصفية بذل فيها مؤلّفوها جهداً سخيّاً على الرغم ممّا قيل من تناقضات وردت في كتاب العين المطبوع من ذلك ابتداء الخليل في ترتيبه الصوتي بالعين فيحين بدأ تلميذه سيبويه تريبه الصوتي بالهمزة, ولعلَّ هذا التناقض ليس مصدره الخليل؛ لأنّ العين المطبوع الذي حقّقه الأستاذان الفاضلان الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائيّ (رحمهما الله) ترجع نسخه المخطوطة حديثة العهد يرجع تأريخها إلى ما قبل مئتين أو ثلاثمئة سنة من زمن التحقيق وهذا ليس جيّداً في منهج التحقيق إذْ المفروض أن تكون النسخة المخطوطة قريبة من عصر المؤلّف, وقد انبرى كثير من الأساتذة الفضلاء للدفاع عن كتاب العين وتبيان الحقيقة فضلاً عن نصوص كثيرة نقلتها بعض الكتب القديمة عن كتاب العين لم نجدها في كتاب العين المطبوع, كذلك ما وجدناه من نصوص نقلها صاحب العين عن أبي حاتم السجستاني في حين أنّ الخليل (رحمه الله) مات قبل أبي حاتم بكثير فكيف نقل عنه؟
ولذلك نرى أنّ كلّ ما ذكره سيبويه في كتابه من معلومات صوتية هي من علم أستاذه الخليل التي أسمعها إيّاه مشافهةً وقد أعجب المستشرق (شاده) بعمل سيبويه فعقد له ندوة في جامعة القاهرة نقلها لنا الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه (الأصوات اللغوية), ثمّ يأتي العلاّمة ابن جنّي ليطوّر الدرس الصوتي من خلال ملاحظاته القيّمة في حديثه عن الحركات وتقسيمها على حركات طويلة وحركات قصيرة وتشبيهه جهاز الصوت بالناي, وعند قراءتنا الجهود الصوتية الحديثة لم نجد فرقاً كبيراً في مخارج الأصوات وصفاتها سوى المصطلحات كالشديد عند القدامى يقابله الانفجاري عند المحدثين, والرخو عند القدامى هو الاحتكاكي عند المحدثين والشَجْر عند القدامى هو الغار عند المحدثين. أقول: لا بما كان وصف الأصوات عند المحدثين أدقّ لتوافر الأجهزة والآلات الحديثة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى