مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم
56
ليس خافياً أنَّ محاولاتِ السَماوي يحيى قصد تطويرِ أدواته الشِعرية وَصقل مهاراته، منحته حافزاً للتفاعلِ مَعَ عالمِ القراءة وَالأدب، حيث مَا يَزال شغوفاً بالإقبالِ عَلَى ابتياعِ الكتب الورقية، حتى مَعَ ظن الكثير مِن النخبِ الثقافية أَنَّ زمنَها انتهى. وَضمن هَذَا المعنى استوقفتني عبارة للشاعر البحريني قاسم حداد يقول فِيهَا « المعرفة التي لا تنميها كل يوم تتضاءل يوماً بعد يوم «؛ إذ أَنَّ القراءةَ بالاستنادِ إلى المُتَخَصِّصين تحفّز العقل، وتخلق الكثير مِن التجارب، فالثقافة مِنْ وجهةِ نظر الروائي والكاتب المسرحي الفرنسي ـ المولود فِي بيئة جزائرية شديدة الفقر مِنْ أبٍ فرنسي وَأم إسبانية ـ ألبير كامو (1913 ـ 1960) هي «صرخة البشر في وجه مصيرهم». وَالمذهلُ فِي الأمرِ هو مَا أثبتته الدراسات العِلْميَّة مِنْ نتائجَ تشير تحديداً إلى أَنَّ القراءةَ الأدبية تُكسب العقل وَظائف معرفية عدة، فضلاً عَنْ أَنَّ مُتعةَ القراءة تفضي بحسبِ الأدبيات العلمية إلى مضاعفةِ تدفق الدم فِي مناطقٍ عديدة مِن الدماغِ البشري، وَثَبَتَ أيضاً أنَّ «دراسة الرواية الأدبية والتعمق في التفكير بقيمتها مِن الأعمال الفعالة للعقل». وَفِي هَذَا السياق يشير الأب الأديب يوسف جزراوي إلى صديقِه السَماوي يحيى بالقول «ينامُ ابو علي وفي عينه قافية، ويفيق وفي بؤبؤ عينه الثانية رباعية. إنّه المتأرّق دائمًا وأبدًا، ينام ولا يرتاح. إنّه ابن الشعر، إبن الأرق، ابن المحبة والإبداع العراقي. يقرأ كثيراً وينام قليلاً، معلّق على جدران الغربة، غارق في ذاكرة الوطن». ويضيف جزراوي أيضاً مَا نصه «.. ولا يخفى على أحد بأنَّ العربية الفصحى ظلت أداته المفضلة لإظهار فكره الراقي ونفسه السمحة وإيجاد أسلوبه الخاص لتعبيره الأدبي الذي يتسم بالمحبة الكونية. فهو حين يقف على منصة المنبر تلقاه كبلبلٍ جريح يُرفرف بصمتٍ وهو يُغرد اناشيد المحبة والسلام، وحين تقرأ له تلتمس استعداده للتضحية من أجل الغايات النبيلة والأهداف السامية». وَيضيف الجزراوي أيضاً مَا نصه «ولا بُدّ لي أن اعترف أنَّ الرجلَ حين تجمعك به محطات الوجود ستجده من الوزن الثقيل في الشعر والثقافة والإنسانيّة واخلاقيات الحياة». وَفِي المنحى ذاته تخاطبه الشاعرة العراقية رند الربيعي بالقول «استاذنا ومعلمنا الفاضل يحيى السماوي دائما حين اقرأ لك اجد كل ما هو يشبع الرغبة الادبية عند المتلقي ويجد الاصالة في الكلمة والرصانة في اللفظة او المفردة التي تستخدمها في قصائدك المميزة ذات الطابع السماوي».
ثـمـة وقـوفٌ أسـرعُ مـن الـرَّكـضِ..
هـذا مـا قـالـه الـبـئـرُ لـلـجـدولِ
فـي وصـفـهِ الـنّـاعـور!
ثـمـة ركـضٌ أبْـطـأ مـن الـوقـوف..
هـذا ما قـالـه جـبـلُ الـحـقّ
فـي وصـفـهِ
غـزالَ الـبـاطـل!
ثـمـة بـيـاضٌ أكـثـرُ عُـتـمـةً
مـن قـعـر بـئـرٍ فـي لـيـلٍ يـتـيـمِ الـقـمـر والـنـجـوم:
بـيـاضُ الأكـفـانِ و»الـبـيـتِ الأبيـض» مـثـلاً ..
ثـمـة سَـوادٌ أكـثـرُ بـيـاضـاً مـن مـرايـا الـصّـبـاحِ:
الـحَـجَــرُ الأسـودُ ومـقـلـتـاكِ مـثـلاً..
يمكن الجزم بأنَّ السَماويَ كان يتأملُ عَلَى نحوٍ مثمر فِي كيفيةِ متابعة مستقبله، حيث كان فِي حلمٍ دائم، يَبْدُو بمفاهيمِه الجوهرية متناغماً مَعَ رؤيةِ الروائي العالمي «باولو كويلو» المولود فِي البرازيل عام 1970م، وَالَّذِي نشرت مؤلفاته في أكثر مِنْ مئة وَخمسين دولة، وترجمت إلى أكثرِ مِنْ خمسينِ لغة، وَبيع مِنهَا أكثر مِنْ ثلاثين مليون نسخة، وَالَّتِي نصها «لا يستطيع الإنسان مطلقاً أن يتوقف عن الحلم.. الحلم غذاء الروح كما أن الاطعمة غذاء الجسم… نرى غالباً خلال وجودنا أحلامنا تخيب، ورغباتنا تحبط، لكن يجب الاستمرار في الحلم وإلّا ماتت الروح فينا». أو مثلمَا يقول نجيب محفوظ الَّذِي يُعَدّ أهم الشخصيات فِي مجالِ كتابة الرواية الَّتِي ابتليت بالمصائب «كيف نضجر وللسماء هذه الزرقة، وللأرض هذه الخضرة، وللورد هذا الشذا، وللقلب هذه القدرة العجيبة على الحب، وللروح هذه الطاقة اللا نهائية على الإيمان؟ كيف نضجر وفي الدنيا من نحبهم، ومن نعجب بهم، ومن يحبوننا، ومن يعجبون بنا»؟ فالسَماوي يحيى كان حريصاً عَلَى إكمالِ دراسته الجامعية فِي كليةِ الآداب ليحققَ طموته وَيصبح لهُ شأن فِي الحياة؛ لأنهُ أرادَ فعلاً مِنْ أعماقهِ أنْ يلبسَ ثوب التدريس، فكان لهُ مَا أرادّ بعد أنْ حصلَ غَلَى شهادةِ البكالوريوس فِي اللغةِ العربية عام 1974م، فغدا جديراً بالاشتغالِ فِي حقلِ التدريس مدرّساً لمادةِ اللغة العربية فِي «إعداديةِ السماوة»، بالإضافةِ إلى الاستمرارِ بِعملِه فِي ميدانِ الصحافةِ وَالإعلام. وَقد كان حقاً سعيداً وَمستمتعاً فِي ممارستِه لِمهنةِ التدريس الَّتِي أحبها، وَشغفَ بِهَا حتى حدود العشق، حيث كان يحاور طلابه، ويعيش معهم، متقمصاً أعمارهم وَمستويات وَعيهم؛ إذ كانت علاقته الإنسانيَّة بِهمْ تُنسيه الكد وَالتعب اليومي، وَمَا يَزال للآن مؤمناً بتلك السجية المستنيرة عَلَى الرغمِ مِمَا جلبت لَه لاحقاً مِنْ مُشكلاتِ مَعَ بعضِ الإدارات المدرسية، حيث كانت إحداها السبب فِي نقلِه إلى ثانويةِ التحرير بمدينةِ السماوة، فالسَماوي يحيى كمَا وصفه الأب الأديب يوسف جزراوي بالقول «إنَّ السماويّ يحب العربية ويتقنها حدّ الإبداع، ولا يرضى بسواها لكتابة أدبه الغزير.. هو نجمةٌ مضيئةٌ ومشعةٌ في سماء الأدب العربي المُعاصر، سراجه لا ينضب زيته، ولا تنطفئ فتيلته، سكب معاناته الإنسانيّة والوطنية في قصائدَ حلّق خلالها بأجنحةٍ لا تحدها سموات، عصرَ فيها قلبه، ومنح من وهج شرايينه كتابات أفرغها في قلبِ القارئ العربي، ليعطيه طاقة روحيّة، وهو يترجم له أحاسيسه ومعاناته، بل قُلّ أحزان شعبه ومحنة بلده»، وَيضيف أيضاً «هو شاعر وَأديب وَناقد وَباحث، يمتشق القلم لينشر مبادئه وقناعاته المُختمرة بفرن الاعماق بلغةٍ تشد القارئ وتحفر الإبداع فيه، لغة يعجنها ويصقلها لتأتي طوّاعة بين يديه، فميزته لا تكمن في تمكنه من اللغة العربية وحسب، بل في القدرة على استخراج تركيبات لغوية ساحرة. فعندما تتزاوجُ لغة الإبداع بصاحبها فإنّه من غير شك ستولدُ القصيدةُ ويولدُ النصّ الأدبيّ وتولد القطعة النثرية بأبهى حلّة، وكيف إذا كانَ المبدعُ قد انغمسَ في تفاصيل عالقة في جسد الذاكرة لتكتب همّ الوطن ومعاناة الشعب من حاكم أرعن وساسة لا يفقهون من الحياة إلآ الفساد والقتل والتعصب». وَمثلمَا أشار إليه الشاعر الدكتور ابراهيم الخزعلي بالقول «إن الأعمال الخالدة في الأدب، هي تلك التي تحتوي على مضامين انسانية نابعة من أحاسيس صادقة ممزوجة بالألم والمعاناة، وليست تلك الأشكال الجمالية التي لا تحتوي على أية قيمة مضمونية، أو بعيدة عن المصداقية، وهي مجرد ترف برجوازي.. فمن يقرأ السماوي إنساناً ونتاجا، لم يجد فارقا بينهما.. فالسماوي هو نتاجه، ونتاجه هو السماوي، وهذه هي قمة القيمة الإبداعية».
كذلك أشار إليه قارئ كريم اسْمه علي موسى ـ يَبْدُو أنَّه كان عَلَى معرفةٍ قديمة بِالسَماوي ـ بمداخلةٍ نشرت فِي أحدِ المواقع الإلكترونية بالقول «قامة شامخة وشاعر كبير عراقي أصيل، وطني حد نخاع العظم، صامد كالجبل الأشم، لم يتغير، ولم ينحنِ لجنس بشر، محب للجميع، رقيق الاحساس، شفيف عذب حلو المعشر، أبي النفس».
مُـتَّـهَـمٌ بـيـقـيـنـي فـي مـحـكـمـةِ الـظـنـون..
حـزنـي الـشّـاهـدُ عـلـيَّ
ولـيـس مـن فـرحٍ يُـدافِـعُ عـنـي!
أيـهـا الـرّاعـي أعِـرنـي مـزمـارَك
لأنـشَّ بـهِ ذئـابَ الـوحـشـةِ
عـن بـقـايـا خِـرافِ طـمـأنـيـنـتـي!
ـ ـ
مـنـذ دهـورٍ وهـو يـصـرخ
لـم يـسـمـعـه أحـد
لـيـس لأنـه يُـصـفـق بـيـدٍ واحـدةٍ..
ولا لأنـه مـثـقـوبُ الـحـنـجـرة..
إنـمـا
لأنـهـم اعـتـقـلـوا الـهـواءَ
فـي قـاعـةِ الـوطـن
كـلُّ ضـغـائـن الـعـالـم
أضـعـفُ
مـن أن تـهـزمَ
قـلـبـيـن مُـتـحـابَّـيـن



