في المرآة

د. محمد الدفراوي ـ مصر
اتفقا على اللقاء، بعد دغدغة مشاعرهما بالانتظار، ضربت له موعداً في العاشرة صباحاً امام الحديقة؛ لم يرَها من قبل. استيقظ في الصباح على غير ما اعتاد، رجعت له نفسه الغائبة، شعر حبيبته. سبكت من روحه روحا جديدة، راح يحدق في المرآة كأنها لم تكن يوما في حجرته، كان يتلاشها ويختفي من أمامها، أحسَّ بها تبادله المشاعر نفسها، لم تصالحه على نفسه كما يرجو الناس منها.
هذا الصباح صدمته باكتشاف وجهه وهيأته التي لم يعرفها، بدا شخصا مختلفا لم يشاهده ولم يرسمه في خياله كذلك، لم يكتف راح يبث المرآة ما انطوت عليه عواطفه من الابتهاج و الانشراح.
فرش أسنانه على عجل ليعود الى محادثة المرآة «إني أنا خيالي الذي لم ارَه في المرآة يوما.. هذا انا فعلا»!
يكاد لا يصدق نفسه من فرط احساسه الغامر بجماله ونضارته ووسامته.
لقد فارقه الشحوب والنفور؛ فقرب وجهه منها. أومأ برأسه يمينا ويساراً ليري جانبي خده، بأصابعه الرقيقة مر عليهما.
«أصحيح ما أراه»؟! قال لنفسه «اليوم زرعت المرآة في قلبي انطباعا عزيزاً، أعادت لي روحي التي انخلعت من جسدي وتغربت. فرأيت رجلا لا يشبهني».
استرق النظر إلى المرآة مرة بعد مرة ليتأكد مما أحس ورأى.
استدار فجأة بسرعة إلى الوراء، بدا واثقا أن فتاته قضت ليلتها معه في مضجعه، يا لله، أيمكن ان يفعل الحب بي ما يفعل؟
لقد حلمت بها في يقظتي اكثر من حلمي بها في منامي.. كنا نتبادل الكلام نفسه.
لقد اشبع بعضنا بعضا رومانسية الكلمات.
فيا ليت الهيأة تحاكي الحرف.
حدق في المرآة يستوضح مشاعره المختلطة من فرط خفقان قلبه المتسارع «ايتها المرآة لا تحاولي إخفاء شيء عني، فحبيبتي ترى ما بداخلي».
زاد رضاه عن شخصه و شكله، فزاد لمعان جبهته و استضاءت.
تملكته نشوة هادئة؛ فراح يبتلع هواء الصباح المنعش وتلتهم عيناه الأفق.
تناول إفطاره المنتظم، وتخيّر من ملابسه أشيكها وأثمنها، ومسح حذاءه، يسبقه قلبه الذي فقد السيطرة عليه.. أحب الجمال الذي لم يحبه من قبل.. اكتشف انه مبثوث حوله في الحياة لا ينفد.
شرفات المنزل سكنها النور، الشجرة العتيقة اهتزت للنسيم، الطير يرقص ويثير فوضي بأنغامه العذبة.
نفد صبره في انتظار ساعة الموعد.. تخيل شكل اللقاء ورتب كلماته، اليد تقبض على اليد.. وعد نفسه بأن يرسل نظراته الشرهة تفضح سره لها.. فالنظرة تساوي الحياة.
ساعة حائطه يعلوها التراب، بندولها مربوط بدقات قلبه. مرّ الوقت ثقيلا.. فسيطر عليه التوتر، عاد يحدق في المرآة ويكلمها «اتعرفين أيتها المرآة: لقد احببت يوسف الصديق الآن، وشعرت ان بيني وبينه وشائج متعددة، إنه يشبهني في كل شيء، حتى في اسمه وفي شكله. فهل يعقل ان يصالحني بها زماني»؟
ولم لا؟! الحياة تجود بالحب في حق من أخطأت في حقهم. لن أخسرها هذه المرة؛ لأنني لن أخسر نفسي ثانية.
رنّت رسائله النصية؛ فقطع حبل خواطره، هرع يفتح الصندوق.
قرأ رسالتها المختصرة «أعتذر عن اللقاء»!!



