سبيل رفْع الظلم عن المستضعفين
الشيخ حسين كَوْراني
لا ينفصل الجهاد في سبيل الله في القرآن الكريم، عن القتال في سبيل رفْع الظلم عن المستضعفين:﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾. (النساء:75)..فمن دلالات الآية: سبيل الله والدفاع عن المستضعفين من الرجال والنساء والوِلدان، واحد..وأن الظلم عدوانٌ، يستدعي من القادرين القتال لرفع الأغلال عن المظلوم..وأن العناية بالمستضعفين إلى حدّ القتال لرفع الظلم عنهم، يدلّ على موقع المستضعفين المتميّز في سائر مجالات التشريع..وأن الاستضعاف وإنْ كان بأجلى صوره معنويّاً يختصّ بالاستضعاف العقائديّ والفكري، إلا أنه -على عمومه- يشمل مصادرة الحقوق المادّية والمعنويّة..وأن مهمة الجهاد هي إقامة العدل بقسميه: المعنويّ للروح، والمادّيّ للجسد، وبما أن المعنويّ الأهمّ يتوقّف على الماديّ، فإنّ إقامة العدل الماديّ مدخلٌ حصريٌّ لتحقيق المعنويّ..لقد أدّى الفصل بين التديّن والجهاد في سبيل الله، إلى الفصل بين الجهاد وحوائج المستضعفين ولقمة عيشهم بالخصوص..ومما لا ينقضي منه العجب هو أن تهميش حوائج المستضعفين المادّية، وصل إلى الخطاب الدعويّ التبليغيّ، حتى صار أكثره يفصل بين نشر المفاهيم الدينية وبين قضاء حوائج الفقير.
وقد طال ليل هذا الفصل المريب، وما يزال، رغم أن لدينا في منظومة الفكر والثقافة الدينية، رصيداً عظيماً يدلّ بأعلى المراتب على عظيم منزلة خدمة الفقير..ويكفي من هذا الرصيد استحضار الحديث الشريف: «صدقة السرّ تُطفئ غضب الربّ»!ولا ينفصل الهدف من بعثة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله عن خدمة الفقراء -وهم الأكثرية المستهدفة بالخطاب الدينيّ- في مقابل الملإ والمترفين، والمستكبرين- سواءً في دعوتهم إلى توحيد الله تعالى، والتحلّي بقيم الأخلاق الفاضلة، أم في تأمين العيش الحرّ الكريم..ما أعظم دلالة أن نجد بكثرة في السيرة النبويّة المباركة أنه صلّى الله عليه وآله كان يمشي في حاجة الأرملة واليتيم، وأنه كان يأمر بحبّ المساكين، وكثرة مجالسة الفقراء، وقلّة مجالسة المترفين..وصحيح أنه صلّى الله عليه وآله كان دائمَ التنبيه على أهمية الحاجات المعنوية للإنسان، وأنّ على مَن يُتاح له تأمين حاجاته المادّية أن يتوازن فلا يغرق في حاجات الجسد فيُغرق معه إنسانيته في البعد الحيوانيّ، إلا أنه صلّى الله عليه وآله كان يُولي الحاجات المادية عناية فائقة..بساطة عيش العالم، واجتنابه كلّ تعبيرات الترف ومظاهره، هي الطريق إلى استعادة روح الخطاب التبليغيّ: مواجهة المترفين لرفع الإصْر عن المستضعفين..هذا هو التحدّي الثقافيّ الأبرز، الذي يزداد إلحاحاً كلّما اقتربنا أكثر من تسطير ملاحم النصر النهائيّ على «أميركا» و«إسرائيل» وحاضنتها والرافعة «آل سعود».



