سكان العراق في جمعية الثقافة للجميع

المراقب العراقي/ أمل كاظم الطائي
وسط حضور نخبوي بهي اطل علينا الاستاذ الباحث شامل عبد القادر وموضوعه الموسم «العراق جاذب ام طارد للسكان؟»، أدار الجلسة الشاعر جاسم العلي. اخذنا الكاتب شامل عبد القادر بعيداً الى عمق وتكوين حضارة وادي الرافدين والاقوام التي سكنت ونزحت الى العراق وسط احداث تاريخية كانت في معظم حقباتها دموية. تحدث الباحث باسهاب عن جغرافية العراق وموقعه وان هذا التميز و التنوع الجغرافي يعد ميزة جاذبة جدا للسكن والاستيطان في العراق علاوة على وجود نهرين وأراضٍ خصبة للزراعة تجعل منه جنة حقيقية لمن اراد السكن فيه بسلام وإعماره وذلك احد اسباب ازدهار حضاراته المتنوعة والتي تعدُّ من اقدم الحضارات في العالم. ان موقع العراق عبر التاريخ جعله محل صراعات للامبراطوريتين «البيزنطية والفارسية» وكما قال العلامة علي الوردي «بين العجم والروم بلوة ابتلينا» في سلسلة كتبه «لمحات من تاريخ العراق»، حيث ظل العراق محتلا من هاتين الامبراطوريتين لحقب طويلة وذلك ترك اثرا سيئا في تبعية المواطن لهذه وتلك انعكسب بشكل سلبي سيئ على عدم وجود انتماء حقيقي للعراق ولغاية اليوم، وكان للساسة الحكومات المتعاقبة على العراق اثر سيئ في عدم تنمية الهوية العراقية وطمس معالمها وبالتالي ظل العراقي يراوح في انتماءاته الاقليمية مما خلق حالة توتر وعنف متعاقبة ولم ينعم العراق بالسلام الا لحقبات تاريخية قليلة حينما كانت بغداد عاصمة الدنيا في العصر العباسي، وفي مدد قليلة عندما كان هناك ملوك يتسمون بالقوة والبطش في حضارات وادي الرافدين مثل الملك نبو خذ ننصر وحمورابي واشور بانيبال. ان هذه الصراعات المتعاقبة والمتلاحقة اثّرت في طبيعة المجتمع العراقي برمته وخلقت احقاداً واضغاناً ومعارك دموية بين افراد الوطن الواحد ومما زاد الطين بلة تهجير مستمر لمختلف طوائف الشعب العراقي على مر العصور، ويتساءل الباحث هنا من العراقي؟
اذ لم تساهم الحكومات المتعاقبة على العراق بانصاف شرائح الشعب العراقي وذلك اضعف النسيج المجتمعي برمته لوجود قوانين تميز مواطن على اخر بغير وجه حق وتطمس الانتماء العراقي، واعطى امثلة كثيرة على ذلك خصوصا في العصر الحديث.
وتحدث الباحث عن تهجير الاكراد الفييلية الذي ابتدأ في سبعينيات القرن الماضي وكان على اوجه في الاعوام 1980 ولغاية عام 1985 إبان الحرب العراقية الإيرانية وتمَّ ترحيلهم فرادي وجماعات ورميهم على الحدود العراقية الإيرانية واسقاط الجنسية العراقية عنهم. تمَّ ترحيلهم بشكل شنيع وبشع حتى اني عاصرت هذه الحقبة واذكر يوم كنت في الخامس الثانوي، و أتى رجال الأمن للمدرسة وتمَّ اخذ طالبتين من إعدادية الرسالة للبنات عنوة ورفضت مديرة المدرسة انذاك تسليمهما وقالت لا بدَّ من حضور أهليهما ولكن بطش الامن انذاك والضغط عليها جعلها تسلم الشابتين للأمن، الاولى كانت زميلتي في الصف الخامس ثانوي والأخرى كانت في السادس الأعدادي واذكر جدا لقبهما «الخلخالي»، كان والدهم رحمه الله محامٍ وامهما كانت معلمة درستني مادة التاريخ في الصف الخامس الابتدائي، والكثير الكثير من المآسي التي تعرض لها الكرد الفيلية لا لشيء الا كونهم اكراداً شيعة استوطنوا في العراق لمئات السنين وطردوا منه دون وجه حق، نرى اليوم ان الجنسية تمنح في كل دول العالم ان احسن المواطن السلوك ويتم توطينه في اربعة او خمسة اعوام. تعد الجنسية السويسرية من اصعب الجنسيات حيث تمنح بعد مدة تتراوح بين (10 ـ 15) سنة وفي العراق بلد العجائب والغرائب يعيش المواطن 400 سنة ويقولون له انت اعجمي!
اتساءل يا ترى في مدة الحكم العباسي قطن بغداد ملايين البشر، ممن جاءوا لطلب العلم والتنعم بالرفاهية، ترى كيف كان الحال واي من القوانين كانت تسري عليهم؟
يعاني اليوم المواطن العراقي من الخوف والهلع من الحكومات سيئة الذكر ممن تعاقبت على العراق فلا يستبعد من طرد اي كان تبعاً لمزاج الحكومة، فلا توجد قوانين حقيقية تحمي المواطن لوجود تمايز في المواطنة كما حصل ابان حكم الطاغية صدام، حيث كان هناك 11 درجة للمواطنة تبتدئ بالحاشية الحاكمة واقاربها ويليها العسكر ، ثم الشهداء ، وطبعا لا ننسى افراد الحرس الخاص والجمهوري، ومن بعد ذلك يأتي المواطن الفقير الذي يجب ان يذود عن الوطن بدفع اولاده الى حروب لا طائل منها والويل والثبور ان لم يرسل اولاده للموت والدفاع عن حياض الوطن الذي لم ينصفه ولم يعامله كانسان حتى!
اذكر بعد حرب الكويت والذي راح ضحيته ملايين الشباب وبعد الانتفاضة الشعبانية تم تصنيف كل من الرمادي وصلاح الدين وديالى وتسميتها بالمحافظات البيضاء، وسمح لهم حق العيش في بغداد وشراء املاك فيها، وبقية المحافظات سوداء لأنهم ثاروا ضد الظلم والطغيان، وتم فصل محافظات سليمانية واربيل ودهوك وحمايتهم من القصف الجوي بعد كارثة حلبجة.
هذه المفارقات خلقت كراهية متزامنة بين الحكومات المتعاقبة على العراق من ولاة وسلاطين وملوك ورؤساء وبين ابناء الشعب ولا يمكن حلها الا بوجود قانون جنسية منصف ودستور يعدل بين ابناء الوطن الواحد، فالهوية العراقية متميعة وبالتالي قل الولاء للوطن من جراء الظلم والجور والخوف والعنف.
نحن شعب ذو تركيبة اثنية وقومية متعددة ولا يصلح الحال الا بقانون ينصف الجميع، لقد بلغ التشرذم بالشعب العراقي حداً من الكراهية بين أطيافه تفوق الوصف والشواهد كثيرة في الوقت الحالي بدءا من مذبحة سبايكر وانتهاءاً بسقوط الموصل بيد داعش ولعبت دول الشر اخبث دور في تأجيج حرب طائفية ما زالت اثارها باقية حتى اليوم.
نحتاج الى مناهج جديدة تقوّم فكر الطفل وتحييده وتحيي فيه روح المواطنة وسن دستور جديد يلم الشمل ويلئم الجرح وان ثخنت.كان تفاعل الجمهور غاية في الجمال وشارك عدد كبير منهم بالقاء الاسئلة والمداخلات التي تنوعت في طروحاتها حول الرؤية المستقبلية للعراق وحول احداث عاشها البعض منهم في خصوص هذا الموضوع ولهم ذكريات جمة في ذلك.
اختتمت الجلسة بشكر الناقد شامل عبد القادر على محاضرته المهمة والتي تركت الباب مفتوحاً أمام كم هائل من التساؤلات حول مستقبل الهوية العراقية وجنسيتها وما تؤول اليه الأمور؟ وهل من مجيب لدراسة معمقة في موضوع حساس لإنصاف جميع افراد الوطن ليتعافى المجتمع العراقي ويبرأ من الانتماءات الاقليمية ويخرج من عباءة التبعية.



