اخر الأخبار

العجز عن الفرح ؟!

في اليوم الثامن من محرم الحرام، كنت في مجلس عزاء إبن أخي، الدكتور الصيدلاني الشاب، الذي فقدناه فجأة وبلا مقدمات..
لقد كنت مفجوعا بهذا المصاب، فقد كان فقيدي هو الوحيد لأبيه، وكان يستعد لإتمام دراسته العليا، فضلا عن كونه؛ إنموذجا نادرا في الخُلقة والخُلٌق والتدين.
في مجلس العزاء؛ جلس الى جانبي صديق عزيز، محاولا التخفيف من حزني، الذي كاد يكون جزعا، بأن مازحني مزاحا خفيفا، لكنه أنتبه الى أني لم أبتسم لمزاحه..عندها قال لي لِمَ أنت هكذا وأنت تعلم أن الموت حق؟!
حاولت أن أرسم بسمة بمط شفتي، لكني لم أفلح كما في كل مرة؛ حينها قلت له ياصديقي العزيز؛ في ملحمة النزاع الأبدي بين الفرح والحزن، ليس هناك إلا نتيجة واحدة، هي غلبة الحزن على الفرح، ألى حد يقترب من إمحاء الفرح من قيد الوجود..فلأي شيء نفرح، وحزننا سرمدي بوجودنا الفاني الزائل، وبجسدنا الذي تنهشهه الهموم يوما بعد يوم؟!
أنفرح بالعمى الذي نحن فيه، أم بغينا الذي نحن فيه سادرون؟! أنفرح وقد فقدنا الأحبة حبيبا بعد حبيب؟! حفظنا الآية الكريمة من سورة الرحمن» كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ» دون سواها.
مثلها حفظنا « أنتم السابقون ونحن اللاحقون»، التي نواسي بها أنفسنا، مبررين فيها عجزنا الأزلي؛ عن القدرة على البقاء أحياءاً في هذه الدنيا، على الرغم من دابنا، على توفير اسباب الراحة والصحة؛ لنا ولأحبتنا الذين سبقونا.
قلت له مرة أخرى؛ لأي شيء نبتسم، ونحن ننتمي الى أمة؛ هي الوحيدة بين أمم الأرض، التي قتلت إبن بنت نبيها بدم بارد، مع سبق الإصرار والتصميم..ألا يؤرقك هكذا إنتماء؟! ألا يسلب منك طمأنينتك، والقتيل يقتل كل يوم ألف مرة، ويعاد علينا مشهد كربلاء كل حين، مع إختلاف بسيط بالتفاصيل والأدوات؟!
قلت له؛ أوَ تريدني أن أبتسم، وفي مثل هذه الأيام؛ كان الحسين عليه السلام قد تناوشته السيوف والرماح والنبال، ثم داسته سنابك، وحرَّق المسلمون خيام عياله، وسبوا نساءه ، وهم يعلمون أنهن بنات بنت نبيهم؟!
قلت له أيضا؛ أتريدني أن أبتسم؛ وشمر مازال حيا؛ يمارس هواية القتل الممنهج؛ في العراق وسوريا واليمن ولبنان وفلسطين، وفي أي أرض فيها مُحبٌ للحسين؟! أوَ تريدني أن أفرح، وفي ذاكرتي قائمة طويلة، من شهداء ثلة أنتميت لها، وأنتمينا جميعا الى طريق الحسين، لكنهم جميعا قتلهم شمر أو أشمار هذا العصر، كما قتل قبلهم كل من أحب حسينا؟
في الختام قلت لصديقي؛ محاولا الخروج من الموضوع؛ في واقعنا الراهن؛ فإن إرتكاب الأخطاء»حق» من الحقوق الأنسانية، فكل إبن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون..لكن شريطة أن لا يتحول هذا «الحق» الى « إدمان»، لا سيما أننا في الشهر الحرام، شهر الطهر والنقاء والتضحية، لذلك فإن علينا أن نتخلى عن أخطائنا، كي يمكننا «الإبتسام» مطمئنين، ولعلها فرصة للساسة، لأن يضحوا قليلا من أجل شعبهم، ويرموا خلف ظهورهم خلافاتهم وأخطاءهم، ويشرعون بالعملية الجراحية.
كلام قبل السلام: يجوز لسبب قاهر أن نمشي ببطء، لكن هل يجوز أن نمشي الى الخلف؟!
سلام..

قاسم العجرش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى