مقاييس العمالة بالـ «مقلم» !
في الماضي كانت اتهامات العمالة والخيانة، توزع في كل الاتجاهات، فإذا كان ثمة أثر للسجود في جبهتك، وإن كنت شيعيا ؛فأنت إذن»خميني» خائن وعميل لإيران، أما إذا كنت تطرب لأغنية لأم كلثوم، فأنت عميل من عملاء جمال عبد الناصر، وإذا صادف وإن ارتديت قميصا أحمر اللون؛ ولو «مقلم»، فأنت عميل لموسكو!..
إذا بانت عليك بعض علائم النعمة، وكنت تحمل ولاعة رونسون؛ فأنت جاسوس للأمريكان! والذي يرتدي بدلة قماشها «أبو العلمين»، فهو عميل للمخابرات البريطانية، وإذا كنت تلبس «دشداشة» بيضاء قماشها «تو باي تو»؛ فأنت عميل لآل الصباح، لا سيما إذا كانت بياقة مُنَشأة!
كنت في فورة شبابي، قد عزمت على دخول معترك السياسة، من بابها الإسلامي بحكم تربيتي وبيئتي، وكان ثمة رجل دين وقور وهو «سيد»، وإمام جماعة لمسجد الحي الذي أسكنه، كان عندما تنتهي الصلاة ويخرج من المسجد متوجها إلى بيته، لا تجده إلا محفوفا؛ بثلة من الرجال كبار السن الوقورين، كان بينهم عمي، وكان عمي يعتقد أن رجل الدين هذا، هو الباب الذي سيدلف منه إلى الجنة!
كنت مثله مسحورا بقامته وهيبته الأخاذة، وقلت في نفسي:»يا ولد ليس مثل هذا الرجل الوقور من ناصح لك، على ما عزمت من طريق تسلكه»، وتقدمت نحوه بعد صلاة العشاء سائلا: مولانا «شنو» رأيك بالعمل السياسي؟!..
صَمَتَ طويلا كأنه يستظهر نصا دينيا، ثم قال لي:»ولك؛ بعد لا تمشي ويه أبني، وإياك إياك أن تأتي إلى المسجد، يا كلـ.. يا بن الستين كلـ..!» شتمني وهو جالس إلى سجادة الصلاة!
تركت المسجد، ولكن بعد مضي سنتين ونصف على هذه الحادثة، قُبِضَ على ولدهِ صديقي الحبيب «سيد محسن»، ومن يومها لم أر»سيد محسن» إلا في المنام، فهو يأتيني كثيرا، ربما في الأسبوع مرة أو مرتين، فهو الذي ورطني بالعمل السياسي الإسلامي، فقد أصبحت عميلا خائنا مثله، وفق القياسات الآنفة ومازلت..!
من بؤس السياسة العراقية الحالية، أن خونة يعيدون استنساخ مفردة «الخيانة»، تلك المفردة التي كنا نحسب أننا غادرناها، لكن بقية القيح الصدامي، الذين وجدوا لهم مكاناً في عمليتنا السياسية، بسبب حسن نياتنا، قد أعادوا إستخدام هذه المفردة التي تليق بهم، ليلقوها بوجه الشرفاء المجاهدين المخلصين، خصوصا أبناء وقادة الحشد الشعبي، الذين حرروا مدنهم وستروا عوراتهم!
كلام قبل السلام: العمالة كانت معاييرها محددة واضحة! وحقا أنها كانت معايير بسيطة جدا، يمكن تطبيقها بسهولة، من أجهزة النظام البعثي، وهي نفس المعايير المستخدمة، من بقاياهم شركائنا في العملية السياسية الآن..!
سلام..
قاسم العجرش



